قد ثَبت فِي الْحِكْمَة ان شِفَاء الامراض قصد اسبابها فَمن استشفى لمرضه بِغَيْر ذَلِك فقد اتى الْبيُوت من غير ابوابها فَمن كَانَ داؤه الْمعْصِيَة فشفاؤه الطَّاعَة وَمن كَانَ داؤه الْغَفْلَة فشفاؤه الْيَقَظَة وَمن كَانَ داؤه كَثْرَة الِاشْتِغَال فشفاؤه فِي تَفْرِيغ البال من تفرغ من هموم الدُّنْيَا قلبه قل تَعبه وتوفر من الْعِبَادَة نصِيبه واتصل الى الله مسيره وارتفع فِي الْجنَّة مصيره وَتمكن من الذّكر والفكر والورع والزهد والاحتراس من غوائل النَّفس ووساوس الشَّيْطَان وَمن كثر فِي الدُّنْيَا شغله اسود قلبه واظلم طَرِيقه وكثرهمه وَنصب بدنه وَصَارَ مهون الْوَقْت طائش الْعقل مَعْقُود اللِّسَان عَن الذّكر مُقَيّد الْجَوَارِح عَن الطَّاعَة من قلبه فِي كل وَاد شعبه وَمن عمره لكل شغل حِصَّة فاستعذ بِاللَّه من فضول الاعمال والهموم فَكل مَا شغل العَبْد عَن الرب فَهُوَ مشئوم وَمن فَاتَهُ الْقرب من مَوْلَاهُ فَهُوَ لَو جَازَت يَدَاهُ نعيم الْخلد محروم كل الْعَافِيَة فِي الذّكر وَالطَّاعَة وكل الْبلَاء فِي الْغَفْلَة والمخالفة وكل الشِّفَاء فِي الانابة وَالتَّوْبَة مَتى اردت ان تعلم اي الدَّاريْنِ اولى بك فَانْظُر اي
[ ٥٣ ]
الْحَالين اغلب عَلَيْك فاذا اصحاب الطَّاعَة الْجنَّة اولى بهم واصحاب الْمعْصِيَة النَّار اولى بهم وَلَا تخادع نَفسك فِي صِحَة النّظر فجهل الانسان بِنَفسِهِ اضر الضَّرَر واعظم الْخطر وَانْظُر بِعَين التفكير وَالِاعْتِبَار لَو ان طَبِيبا نَصْرَانِيّا عَفَاك عَن شرب المَاء الْبَارِد لاجل مرض من امراض الْجَسَد لاطعته فِي ترك مَا نهاك عَنهُ وانت تعلم ان الطَّبِيب قد يصدق وَقد يكذب ويصيب ويخطىء وَينْصَح ويغش فَمَا بالك لَا تتْرك مَا نهاك عَنهُ انصح الناصحين واصدق الْقَائِلين لاجل مرض الْقلب الَّذِي اذا لم تشف مِنْهُ فَأَنت من اهلك الهالكين لَا تقدر على التَّخَلُّص من بلوى الْمعْصِيَة الا بالتخلص من سجن الْغَفْلَة وَلَا تتخلص من الْغَفْلَة الابتضمير الْبَطن وتفريغ الْقلب ومواصلة الذّكر فجوع بَطْنك وَارْفض شغلك وَاذْكُر رَبك يعتزلك شَيْطَانك ان الشَّيْطَان حَامِل على الْعِصْيَان والعصيان جُنُون وَمن لم يحضرهُ الشَّيْطَان فَلَيْسَ بمجنون طُوبَى لمن كَانَ كَلَامه مُنَاجَاة الله وَعَمله مُعَاملَة مَعَ الله وفكره فِي تدبر الله وَالِاعْتِبَار بصنع الله وَنِيَّته خَالِصَة لوجه الله يزاحم الْعلمَاء بركبتيه وَيقبض على الْعلم بكلتى يَدَيْهِ عِبَادَته مؤسسة على الْقَوَاعِد وعَلى تَصْحِيح العقائد الا رب من قد انحل الزّهْد جِسْمه كثير صَلَاة دَائِم الصَّوْم عَابِد
[ ٥٤ ]
يروم وصالا وَهُوَ بالطرق جَاهِل اذا جهل الْمَقْصُود قد خَابَ قَاصد قَلِيل من الاعمال بِالْعلمِ نَافِع كثير من الاعمال بِالْجَهْلِ فَاسد