الْحَمد لله مَا انتظمت بتدبيره الْأُمُور واعتقبت بتصريفه الدهور ووسع المقترفين عَفوه وغفرانه وَعم المفترقين بفضله وإحسانه خرت لعظمته جباه العابدين فطوبى لمن عبد وَاعْتَرَفت بوحدانيته قُلُوب العارفين فويل لمن جحد لَا رائق لما فتق وَلَا فَاتق لما رتق وَلَا رَازِق لمن حرم وَلَا حارم لمن رزق فَإِذا افْتَقَرت إِلَى الرزق فَقل يَا مُغنِي المفتقرين وَإِذا ضللت فَقل يَا دَلِيل المتحيرين وَإِذا تعاظمت عَلَيْك أهوال الْقِيَامَة فَقل حسبي أرْحم الرَّاحِمِينَ الْإِيمَان بِيَوْم الْقِيَامَة يخف بِهِ النُّطْق على اللِّسَان ويثقل الْعَمَل بِهِ على الْجَوَارِح ويسهل الْإِقْرَار بِهِ على من يَدعِي الْإِيمَان ويعسر استقراره بَين الجوانح كم من مقرّ بِالْعرضِ على الديَّان وَهُوَ مرتكب للقبائح يزحف إِلَى الطَّاعَة زحفا بطيئا وَيجْرِي إِلَى الْمعْصِيَة جَريا حثيثا الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ وَمن أصدق من الله حَدِيثا
[ ١١٣ ]
لَو كنت من المصدقين بِيَوْم الْقِيَامَة لَكُنْت من أهواله خَائفًا وَلَو سلكت سَبِيل طلاب السَّلامَة لم تكن لِلْأَمْرِ مُخَالفا وَلَو رغبت فِيمَا أعد الله لأوليائه من الْكَرَامَة لم تزل فِي الْخدمَة وَاقِفًا ترجو رَجَاء طيبا وتعمل عملا خبيثا الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ وَمن أصدق من الله حَدِيثا المصدقون بِيَوْم الْقِيَامَة أكياس دانوا أنفسهم وَعمِلُوا لما بعد الْمَوْت ثبتَتْ عقائدهم فِي قُلُوبهم بِالنَّصِّ وَالْقِيَاس فشمورا خشيَة الْمَوْت أيقظوا عقوهم عُقُولهمْ من رقدة النعاس حِين أسمعهم الصَّوْت علمُوا أَن مَا بِأَيْدِيهِم من الدُّنْيَا سيصبح تراثا موروثا وهباء مبثوثا الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ وَمن أصدق من الله حَدِيثا خليلي أما مطايا الرحيل وسيروا إِلَى الله سيرا حثيثا وَإِيَّاكُم أَن تَكُونَا كمن يُبدل بالطيبات الخبيثا وَلَا تخدعا بأماني النُّفُوس فقد صدق الناصحون الحديثا من لم يكن شغله بِأَمْر آخرته وَلَا مصلحَة دُنْيَاهُ فَشَغلهُ فضول فإياك والتفرغ لثلب أَعْرَاض النَّاس فالعاقل عَن ذكر الخاطئين مَشْغُول الْعَاقِل عَن ذكر الورى مَشْغُول قد أَيقَن أَنه غَدا مسؤول من أَيقَن ان ربه سائله فالصارم فَوق رَأسه مسلول إِذا أَحْبَبْت أَن تعلم العَبْد لَا تسمعه التفرغ لغير ذكر ربه وَنَفسه فَتَأمل أَحْوَال الْعباد يَوْم الْقِيَامَة الْكل فِي ذَلِك مهتمون بنفوسهم وَمُحَمّد ﷺ مَشْغُول بربه يسْجد السَّجْدَة بعد السَّجْدَة بَين يَدَيْهِ يمْكث فِي كل سَجْدَة مَا شَاءَ الله
[ ١١٤ ]
يحمده ويثني عَلَيْهِ وسادات الْمُرْسلين ينادون نَفسِي نَفسِي وَمن سواهُم مَشْغُول بكربه لَا يُعِيد وَلَا يُبْدِي كم فِي الْقُرْآن من ذكر يَوْم الْوَعيد وَلَو لم يكن إِلَّا سُورَة التكوير والإنفطار لَكَانَ كَافِيا لِذَوي الأسماع والأبصار فليت شعري هَل أَنْتُم بالقيامة مصدقون أم الْمَوْعُود بهَا قوم آخَرُونَ وَأَن عَلَيْهَا صدأ الذُّنُوب وَمن ران الذَّنب على قلبه فَهُوَ من الْآخِرَة مَحْجُوب عين جودي بدمعك المسكوب قد أمات الْقُلُوب كسب الذُّنُوب كَيفَ ترجو الْحَيَاة للقلب والعب د مصر على ارْتِكَاب الْحُوب أدعى بِاللِّسَانِ أَنِّي لآمنت وحالي تومي إِلَى تَكْذِيب أَي عذر عددت يَا نفس للموقف يَوْم الْفقر والتكريب يَوْم يجثو مُوسَى وَعِيسَى وابرا هيم من هول تِلْكَ الخطوب يظْهر الْحق ذَلِك الْيَوْم لِلْخلقِ خفايا مستودعات الْقُلُوب يومهم بارزون لَا شَيْء يخفى من بعيد مِنْهُم وَلَا من قريب كَيفَ يخفى شَيْء على الله منا وَمِنْهُم علام خافيات الغيوب يتَوَلَّى الْحساب رب البرايا غير مَسْتُور وَلَا مستنيب يَا حَيَاء الْمُقَصِّرِينَ المسيئين يَوْم فَضَح الغيوب حَسبنَا رَبنَا وَلَيْسَ سوى يُرْجَى لفاقة المرنوب إِن كنت أَيهَا العَاصِي سَاقِطا عَن غير الله فيكفيك سقوطك من عين رَبك وَإِن كنت من أهل الْكَرَامَة على الله فبقدر كرامتك عَلَيْهِ يمقتك على دينك وَإِن كنت من أهل الْقُرْبَى إشتد عَتبه عَلَيْك من أجل قربك وَإِن كنت من أهل الْبعد
[ ١١٥ ]
اشْتَدَّ هوانك عَلَيْهِ من أجل بعْدك مَا اشْتَدَّ عَلَيْكُم فِي جفاكم عتبي إِلَّا لعلو قدركم فِي قلبِي الْحبّ حرَام عِنْد أهل الْحبّ مَا أوجع سَوط الْبعد بعد الْقُرْبَى