الْحَمد لله وأنجح مَا توسل بِهِ إِلَيْهِ المتوسلون إدامة حَمده وَأقرب مَا تقرب بِهِ إِلَيْهِ المتقربون أَدَاء فَرْضه من ادى فَرَائض الله فَهُوَ عبد الله حق عَبده وَلَا يزَال عَبده يتَقرَّب إِلَيْهِ بالنوافل حَتَّى يُحِبهُ فَإِذا احبه أدخلهُ فِي حزبه وأيده بجنده فسبحان من كل الْخَيْر فِي يَده وَذَا الْفضل من عِنْده إِذا رفد فَلَا تسْأَل عَن حسن حَال عمره من رفده وَإِذا طرد فيا كسرة الْقُلُوب من ذل طرده وَإِذا حد حدا لم يسع أهل سمائه وأرضه تجَاوز حَده أَتَرَى أفوز نبيل رفده أَتَرَى أحوز كريم وعده أَتَرَى بِمن بِقُرْبِهِ من بعد بلواه يبعده يَا بهجتي بوصاله يَا ودعتا من ذكر صده أَنا عَبده ومحبه مَا شَاءَ فليصنع بِعَبْدِهِ قد دلّت الْأَدِلَّة القاطعة على ان صرخة الْبَين لأكباد المحبين قَاطِعَة وَإِنَّمَا
[ ١٥٦ ]
يحس بوجعة فِرَاق المحبون أولُوا الْأَلْبَاب وأرباب الْقُلُوب فَأَما من نور الْهدى عَن بصيرته مَحْجُوب فَكيف يعرف إِعْرَاض الرب عَن المربوب فسبحان من كل أحد من خلقه إِلَى عطفه فَقير وشكره وَاجِب على الْقَلِيل وَالْكثير والجليل والحقير كل جليل وحقير فِي قَبضته أَسِير لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يحيي وَيُمِيت وَهُوَ على كل شَيْء قدير يَا وَاحِدًا مَا لَهُ نَظِير يَا قَاضِيا مَا لَهُ مشير بِذكرِهِ تشرح الصُّدُور بأَمْره تصلح الْأُمُور أحَاط علما فَلَا صَغِير يعزب عَن علمه وَلَا كَبِير مَا أحد دونه غَنِي فَكل من دونه فَقير مَا أحد دونه كَبِير فَكل من دونه صَغِير إِن نَحن نلنا رِضَاهُ يَوْمًا فَكل مَا فاتنا حقير أَحْمَده وأشكره وأحق عباده بمزيد فَضله الحامد الشكُور أرْضى بِقَضَائِهِ وأصبر على بلائه وَمَا ذاق طعم الْعَيْش إِلَّا الراضي الصبور وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله الْعلي الْكَبِير وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَى اهل السهول والوعور وَالشَّفِيع المشفع يَوْم يتَأَخَّر عَن الشَّفَاعَة كل مِقْدَام جسور صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه وكل من حَضرته حُضُور خُصُوصا على
[ ١٥٧ ]
الشَّيْخَيْنِ الْإِمَامَيْنِ المفضلين والصهرين المخصصين والعمين المبجلين والسبطين الريحانين الْحسن وَالْحُسَيْن صَلَاة يتَّصل تكرارها بالرواح والبكور اللَّهُمَّ إِذا قسمت فِي عِبَادك الصَّالِحين مَا تقسمه من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَاجْعَلْ لنا مِنْهُ الْحَظ الْأَكْبَر والنصيب الموفور وَبَارك لنا فِيمَا تحيينا لَهُ مدى اللَّيَالِي وَالْأَيَّام والشهور والأعوام إِنَّمَا فَائِدَة أقطرت البركات لمدركيها ان تغتنموا بركتها بِطَاعَة الله فِيهَا وكل من لَا يعظم حرماتنا وَلَا يراعها فقد حرم بركَة مساعيه يَوْم تعود على الْفرْقَة النَّاجِية بَرَكَات مساعيها نستفتح بركَة هَذَا الْمجْلس الْكَرِيم بتفسير آيَة من الذّكر الْحَكِيم أعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الله ﷿ فِي كتاب الْمُبين هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ يفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ مَا من مجعول إِلَّا وَالله لَهُ جَاعل لِأَنَّهُ هُوَ الْخَالِق لكل صَنْعَة وصانع وَعمل وعامل فَلهَذَا قَالَ هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منازلأي هُوَ الَّذِي أَضَاء الشَّمْس فَجَعلهَا ضِيَاء بِالنَّهَارِ وَهُوَ الَّذِي انار الْقَمَر فَجعله نورا بِاللَّيْلِ فسواه ذَا منَازِل لَا تجاوزها وَلَا يقصر عَنْهَا والمنازلهي الثَّمَانِية وَالْعشْرُونَ منزلا المنقسمة عَن اثْنَي عشر برجا قدر الله سُبْحَانَهُ مسير الشَّمْس وَالْقَمَر فِي تِلْكَ البروج والمنازل لينتظم بمسير الشَّمْس فِيهَا امْر الْفُصُول اربعة وَلَوْلَا تنقل الشَّمْس فِيهَا لم يكن للْأَرْض صيف وَلَا شتاء وَلَا ربيع وَلَا خريف وَلَوْلَا اخْتلف الْهَوَاء بتعاقب هَذِه الْفُصُول لفسد نظام الْحَيَوَان
[ ١٥٨ ]
والنبات والمعادن وَلَوْلَا تنقل الْقَمَر فِيهَا لفسد نظام الشُّهُور القمرية ومطالع الْأَهِلّة والبذور والأقمار المسخرة فِي اللَّيَالِي الطوَال الشتوية الْقصار الصيفية وَكم فِي خلال تدابير ذِي الْجلَال من حكم جلية وألطاف خُفْيَة الرب أسراره خُفْيَة تعجز عَن فهمها الْبَريَّة فِي كل شَيْء مِمَّا ترَاهُ من صنعه من حكمه جلية وَدون مَا قد بدا أُمُور تخفى عَن الفطنة الذكية إِذا عجزنا عَن فهم أدنى حكمه أَجْسَادنَا الدنية فَكيف نرجو عرفان شَيْء من أَمر أَوْصَافه الْعلية قَوْله تَعَالَى لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحسابقال ابْن عَبَّاس ﵄ يَقُول الله تَعَالَى لَو جعلت شمسين شمسا بِالنَّهَارِ وشمسا بِاللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا ظلمَة وَلَا ليل لم تعلمُوا عدد السنين والحساب قَالَ الْكَلْبِيّ يَعْنِي حِسَاب السنين والشهور وَالْأَيَّام والساعات ثمَّ قَالَ تَعَالَى مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بالحقأي لم يخلق الشَّمْس وَالْقَمَر ومنازلهما إِلَّا بِالْعَدْلِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْحق وكل مَا جَاءَ من عِنْده فَهُوَ الْحق وَكلما صنعه وخلقه وَدبره فَهُوَ حق وَقيل مَعْنَاهُ مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا للحق أَي لإِظْهَار قدرته الخافية عَلَيْكُم بِإِظْهَار صَنعته الْبَادِيَة لكم وَإِقَامَة الدَّلَائِل على وحدانيته عنْدكُمْ ليقطع فِي إشراككم بِهِ عذركم كلما قد بدا وَمَا هُوَ خافي فِي ثُبُوت التَّوْحِيد شاف وكافي
[ ١٥٩ ]
أَي عذر لشرك وَجَمِيع الْكَوْن للشرك بِالدَّلِيلِ نافي ثمَّ قَالَ تَعَالَى كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعلمونأي نبين الْأَدِلَّة للمستدلين على الصَّانِع بصنعته فَإِن قيل مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْقَمَر بِالذكر دون الشَّمْس فِي قَوْله تَعَالَى قدره منَازِل فَالْجَوَاب أَن الْقَمَر يقطع الْمنَازل فِي كل شهر وَالشَّمْس لاتقطعها إِلَّا فِي كل سنة فَلَمَّا كَانَ الْقَمَر أسْرع مِنْهَا فِي طي المراحل كَانَ أولى مِنْهَا بتخصيص الذّكر فِي تَقْدِير الْمنَازل تبتغي الْوُصُول بسير فبه تَقْصِير لَا شكّ أَنَّك فِيمَا رمت مغرور قد سَار قبلك أبطال فَمَا بلغُوا هَذَا وَفِي سيرهم جد وتشمير يَا مدعي الْحبّ فِي شراع الغرام وَقد أَقَامَ بَينه لَكِنَّهَا زور أفنيت عمرك فِي لَهو وَفِي لعب هَذَا وَأَنت بعيد الدَّار مهجور لَو كَانَ قَلْبك حَيا ذبت من كمد مَا للجراح بجسم الْمَيِّت تَأْثِير يَا من قد شغلت عَن ذكر ربه الشواغل يَا من كلما أيقظته العبر فَهُوَ غافل يَا من هُوَ فِي رُتْبَة الطَّاعَة نَاقص وَفِي مرتبَة الْمعْصِيَة كَامِل أما تَسْتَحي مِمَّن سرك إِلَيْهِ صاعد وَخَبره إِلَيْك نازلالذي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل أيامك تمر مر السَّحَاب وَأَنت إِلَى البطالة جَائِع لَا تضيف إِلَى الموعظة من واعظ وَلَا تقبل النَّصِيحَة من نَاصح وَأَنت عَمَّا قَلِيل من سكان الضرائح فَمَا أَنْت قَائِل لمن هُوَ لحقوقه مِنْك مطَالب وَعَن حُقُوق عباده
[ ١٦٠ ]
سَائل الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نوراوقدره منَازِل لَو عبرت قنطرة التَّبْصِرَة والاعتبارلقطعت ثلث الطَّرِيق وَلَو اقتحمت عقبَة الخشية والفرار لخلصت من حلق الْمضيق وَلَو سلكت سَبِيل أهل اللجوء إِلَى الْعَزِيز الْغفار لوصلت مَعَ أكْرم رَفِيق إِلَى بِلَاد حسن التَّوْفِيق حَتَّى تنظر إِلَى وَجه من لَا يشاكله مشاكل وَلَا يماثله مماثل الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل هَذِه مزارع المؤثرين حرث الْآخِرَة على حرث الدُّنْيَا فَأَيْنَ الزارعون إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعونيا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي وَالله لَو أَن الْعباد سمعُوا هَذِه الْآيَة كَمَا يَنْبَغِي لَهُم ان يسمعوها لَو كَانَ بَينهم وَبَين الله بحار النَّار لخاضوها شوقا إِلَى مَا شوقهم مَوْلَاهُم إِلَيْهِ من لَذَّة بهجة الْقدوم عَلَيْهِ كم قد أَهْلَلْنَا من شهر شرِيف الْمِيقَات ثمَّ يَنْسَلِخ عَنَّا وَنحن من قشرنا مَا انسلخنا كم قدم علينا من موسم تغسل فِيهِ أوساخ الْقُلُوب بمياه العبرات ثمَّ يرحل عَنَّا وَمَا تطهرنا بل اتسخنا فِي مثل هَذِه الْأَوْقَات الْمُبَارَكَة يَتُوب العَاصِي ويلين الْقلب القاسي وينشط الْعَامِل وينتبه الغافل الْحَسَنَات فِيهَا مضاعفة لعامليها وأبواب الرَّحْمَة مفتحة لوالجيها وابواب الْخيرَات ميسرَة لطالبيها من قرع فِيهَا أَبْوَاب العطايا بأنامل الدُّعَاء توشك أَن تفتح فِي وَجهه وَمن استمطر سحائب النوال بأكف الإبتهال فجدير ان تسح على أرضه وَمن
[ ١٦١ ]
رفع قصَّة السلوى إِلَى عَالم النَّجْوَى فَمَا أولى منح قَصده مثل الْأَزْمِنَة الْكَرِيمَة المحترمة عِنْد الله مثل السنين المخصصة للزارعين والليالي المقمرة للمسافرين تخسف عنادها وتقل حركتها وتكثر بركتها فَكَذَلِك الْعَامِل لله فِي الْأَوْقَات والأماكن الشَّرِيفَة تزكو أَعماله فِيهَا أَضْعَاف مَا تزكو فِيمَا سواهَا لِأَن الله ﷾ اصطفاها لِعِبَادِهِ على سَائِر مَا عَداهَا يُعْطي وَيمْنَع مَا يَشَاء كَمَا يَشَاء بَاب إِن أبلغ مَا بلغه واعظ إِلَى موعوظ وأنفع مَا هُوَ بالألسنة ملفوظ وَفِي الصُّدُور مَحْفُوظ كَلَام من كل شي تَحت قدرته مقهور وبرعايته ملحوظ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسم الله الرَّحْمَن الرحيمالر كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذن رَبهم إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا الأَرْض وويل للَّذين كفرُوا من عَذَاب شَدِيد الَّذين يستحبون الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة ويصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا أُولَئِكَ فِي ضلال بعيد أما كتاب الله فَبين لَيْسَ فِيهِ غموض وَأما دين الله فَهُوَ متين لَا ينْهض بِهِ مَخْلُوق حق النهوض فَلم يبْق لنا عذر فِي حق الْجَهْل بمراض رب الْعَالمين وَلَا قُوَّة لنا على إِقَامَة هَذَا الدّين المتين فَالْوَاجِب علينا ان نستغيث بمراحم الْعَزِيز الرَّحِيم ونستشفع إِلَيْهِ بجاه نبيه الْكَرِيم الَّذِي أذن لَهُ فِي إِخْرَاج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور فَمن أجَاب دَعوته فَلهُ النظرة وَالسُّرُور وَمن تخلف عَن إجَابَته دَعَا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور
[ ١٦٢ ]
قيل الظُّلُمَات والنور هما الْكفْر وَالْإِيمَان وَقيل الضلال وَالْهدى وَقيل الشَّك وَالْيَقِين وَقيل بِإِذن ربهمأي بأَمْره وَقيل بتوفيقه وَقَوله الَّذين يستحبون الْحَيَاة الدُّنْيَا على الْآخِرَة يَعْنِي الَّذين يؤثرون الفاني على الْبَاقِي لَا يبالون مَا نقص من دينهم إِذْ زَادَت دنياهم وَلَا مَا فاتهم من رضى مَوْلَاهُم إِذا أدركوامن شهوتهم أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة فَلَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب وَلَا هم ينْصرُونَ يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون تطالبني النَّفس بالمشتهى وتنسى الْقِيَامَة والمنتهى وتسعى إحكام عهد الْهوى وَعقد دياناتها قد هوى وتترك صُحْبَة أهل النهى وتصحب من قدسها أَولهَا فَإِن دَامَ هَذَا التنادي بهَا فويل لَهَا ثمَّ ويل لَهَا
[ ١٦٣ ]