عباد الله تأهبوا للعرض على الْملك الديَّان واستبغضبوا من هَذِه السّنة فَمَا أدْرك النَّار وَسنَان أَيهَا العَبْد الْعَاجِز الْفَقِير أطلب من بَاب الْغَنِيّ الْقَدِير تبتل لسؤاله وَتعرض لنواله فَلَو انالك قَطْرَة من بحار أفضاله لأصبحت مِمَّا لَا يخْطر خوف الْفقر على باله أَلا ناهض فِي خيله وَرِجَاله بعزمه لَيْث الغاب يَوْم نزاله لِحَرْب عَدو قد تملك أَرض بإذلاله وزاه بعد دلاله ألم تعلمُوا ان الْعَدو سباكم وأوثقكم فِي قده وحباله وَقد كنتموا فِي الْعِزّ وَالْمجد لنا جوَار كريم غَافِر بنواله فأخرجكم مِنْهَا الْعَدو بكيده وصرتم إِلَى انكاله ونكاله فضجوا إِلَى الْبر الرَّحِيم يمدكم بنصر على المخذول يَوْم قِتَاله وعوذوا من الشَّيْطَان بِاللَّه إِنَّه سميع عليم فارغبوا فِي سُؤَاله
[ ٢٠٩ ]
بَاب أَيهَا العَبْد المقهور المضيم استعذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم وَلَا تنس فِي ابْتِدَاء كل امْر بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَإِن أَنْت لم تَجِد لبركة اسْم الله أثرا ظَاهرا فِي جَمِيع الْأُمُور فَاعْلَم أَنَّك مقصر عِنْد التَّسْمِيَة فِي الْإِخْلَاص والحضور ذكر اسْم الله فِي ابْتِدَاء الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال أنسه من الوحشة وهداية من الضلال وحمده تَعَالَى فرض لَازم لكل أحد على كل حَال لِأَنَّهُ اهل أَن يحمد إِن ابتلى وَإِن عافى وَإِن منع وَإِن نَالَ عَم بفضله النِّسَاء وَالرِّجَال والكهول والأطفال ولطف فِي قدره وقضائه بِأَهْل أرضه وسمائه فَلم يخل من لطفه سافل وَلَا عَال يَا من لَا تمتد الْأَيْدِي بالرغبة وَالْمَسْأَلَة إِلَّا إِلَيْهِ يَا من لَا يعول فِي كشف شَدَائِد الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا عَلَيْهِ يَا من كل الرغائب لَدَيْهِ والمواهب لَدَيْهِ لَيْسَ لضرنا سواك كاشف وَلَا على ضعفنا سواك عاطف الْمعَافى من عافيته فعافنا من مُوجبَات سخطك وعقابك وَالْمهْدِي من هديته فاهدنا سَبِيل الواصلين إِلَى جنابك بِروح الْإِيمَان بِاللَّه تحيا الْقُلُوب من موت غفلاتها وينور مِصْبَاح الْيَقِين مستضيء الْأَرْوَاح فِي ظلماتها وبالتداوي يداوي بدواء التَّقْوَى فتخلص النُّفُوس من آفاتها فَمَتَى أردْت أَن تعرف عناية الله بعباده الْمُؤمنِينَ بِمَاذَا انْعمْ الله على أهل التَّقْوَى وَالْيَقِين فَاتْلُ أَربع آيَات من سُورَة الْبَقَرَة لتعلم أَن خيرة خلق الله من جَمِيع الْعَالمين أهل الْإِيمَان وَالْيَقِين والتقى الَّذين ارْتَقَوْا من معارج النُّور كل مرتقى وحصلوا على النَّعيم وتخلصوا من طول الْبَقَاء فِي دَار الشَّقَاء
[ ٢١٠ ]
من خرج من دَار الْكفْر إِلَى دَار حَظِيرَة الْإِيمَان فقد أخرج من الظُّلُمَات إِلَى النُّور لِأَن الْكَافِر جَاحد كاند وَالْمُؤمن معترف شكور والشاكر بالمزيد موعور والكاند على الْبَاب مطرود فطوبى لِلْمُؤمنِ وويل للكفور وماذا عَلَيْهِ لَو آمن بربه فَكيف وَقد ختم على سَمعه وَقَلبه من قوم لَهُم من قُلُوب بهَا لَا يفقهُونَ وَلَهُم آذان بهَا لَا يسمعُونَ إِن وعظوا بِمَا فِيهِ نفعهم لَا يَنْتَفِعُونَ وَإِن تركُوا بِسوء حَالهم فهم عَن غيهم لَا يرجعونإن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم ام لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ حَال بَينهم وَبَين الْإِيمَان سر الْقدر وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداهم أَجْمَعِينَ فَكيف يعْذر من مَا عذر بِالْعَدْلِ عذب رَبنَا من عذب وبالفضل غفر لمن غفر تفضل على قوم فوجههم إِلَى الْجنَّة وَعدل على قوم فَعدل بهم إِلَى سقر فَلَو اجْتهد اهل السَّمَاء وَالْأَرْض لم يقدروا نفعهم وَكَيف يعطيهم الْخلق وَقد حكم الْخَالِق بمنعهم ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم إياك والنفاق فالمنافق لرَبه مخادع وَلَا تطمع فِي الْخَلَاص بِغَيْر إخلاص فالطمع سراب خَادع رُبمَا نفع الرِّيَاء فِي الدُّنْيَا وَلكنه فِي الْآخِرَة ضار لَا نَافِع أهل الْإِخْلَاص على طَرِيق من سلكها فقد اهْتَدَى وَأهل الضلال قوم لَا يرجعُونَ عَن الضلال إِلَى الْهدى لَا يحذرون مصَارِع السوء وَلَا يخَافُونَ عواقب الردى لقد ضرب الله لِلْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابه الْأَمْثَال وَلم يتركهم سدى فَأَما اهل الْحق فصبروا عَلَيْهِ وَأما اهل الْبَاطِل فطال عَلَيْهِم المدى لأولي الْأَبْصَار تضرب الْأَمْثَال وَسَمَاع من لَا روح فِيهِ محَال
[ ٢١١ ]
أَيْن ركب المخاطر فِي السرى لم تثنه عَن عزمه الْأَهْوَال الله مَوْلَانَا وَمَالك رزقنا مَا بالنا لرضاه لَا نحتال فِي حبه يحلو الْعَذَاب وتركب الأخطار والدمع المصون يزَال وَعَلِيهِ يسخى فِي النُّفُوس وتنفق الْأَعْمَار والأرواح وَالْأَمْوَال يَا سائلي عَن نبل عالي وَصله أصدق وَكَيف علمت كَيفَ تنَال وَأعْطى العواذل فِي هَوَاهُ فَلَيْسَ فِي شرع الغرام مُطَاوع العذال لما خلق الله الْخلق ادعوا محبته كلهم فأذاقهم من رَحمته شَيْئا من حظوظ النُّفُوس فَلم يثبت مَعَه مِنْهُم شَيْء إِلَّا قَلِيل واشتغل الْأَكْثَرُونَ بِالنعْمَةِ عَن الْمُنعم ثمَّ صب على البَاقِينَ الْبلَاء والمحنة فاشتغل الْأَكْثَرُونَ بالبلاء عَن المبلي ثمَّ امتحن الْبَقِيَّة الْبَاقِيَة بِالْعبَادَة الموصلة إِلَى الْوَاصِل فأقلهم من يمْضِي بذلك الْحَمد لَيْسَ بُد للمخلوق من ان يكون خَالق لِأَن الْعُبُودِيَّة لكل سوى الله وصف لَازم لَا يجد فِيهِ بدا فَمن كَانَ على عبَادَة الله عاكفا لم يَجعله الله لغيره عبدا وَلَا بِغَيْر بَابه وَاقِفًا وَمن تكبر عَن عبَادَة مَوْلَاهُ ابتلاه بِعبَادة سواهُ حَتَّى فِرْعَوْن الَّذِي قَالَ أَنا ربكُم الْأَعْلَى كَانَ بِعبَادة غير الله مبتلا وَلِهَذَا قَالَ الملأمن قوم فِرْعَوْن أنذر مُوسَى وَقَومه ليفسدوا فِي الأَرْض ويذرك وآلهتك لما تكبر عَن عبَادَة الْحق وَادّعى أَنه إِلَه لجَمِيع الْخلق ابتلاه الله بِعبَادة الْأَصْنَام على وَجه الإهانة والإرغام
[ ٢١٢ ]
فاعبدوا الْخَالِق معتقكم عَن عبَادَة الْمَخْلُوق وابتغوا عِنْد الله الرزق فَكل من سواهُ من فَضله مَرْزُوق أَيهَا العَبْد إِن كنت بِرَبِّك مُؤمنا فتحقق بِالْإِيمَان بِاللَّه وَكن فِي عِبَادَته وَإِلَى عِبَادَته محسنا وتدبر أَمْثَال الْقُرْآن فقد ضرب الله للنَّاس فِيهِ من كل مثل إِنَّمَا فَائِدَة ضرب الْمثل ظُهُور مَا خَفِي من حسن أَو قَبِيح فِي وصف أَو عمل ضرب الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْمثل بالحمار لعالم أقبل بِلِسَانِهِ على دراسة الْعُلُوم ثمَّ أعرض بِقَلْبِه عَنْهَا وبالكلبلعالم أَتَاهُ آيَاته فانسلخ مِنْهَا وبالحجارة لقساة الْقُلُوب وبالأنعام لمن همه فِي الْمَأْكُول والمشروب وبالعنكبوت فِي ضعف من اشْتَدَّ فِي عبَادَة الْمَخْلُوق مثله وبالذباب فِي عجز الْأَوْثَان عَن استنفاذ مَا سلبه بغيه أَو علق بِرجلِهِ لَو علم الْمَخْلُوق قدر نعْمَة الْخَالِق عَلَيْهِ لَو علم المرزوق بعض إِحْسَان الرازق إِلَيْهِ وَلَو لم يكن إِلَّا نطق لِسَانه وشفتيه وَسمع أُذُنَيْهِ وَنظر عَيْنَيْهِ وبطش يَدَيْهِ وسعي رجلَيْهِ إِذا يسْجد لله سَجْدَة شكر لم يرفع رَأسه مِنْهَا إِلَى يَوْم الْوُقُوف بَين يَدَيْهِ فَكيف وانتم عَن ذكره وشكره غافلون بل أَكْثَرَكُم لأَمره مخالفون يدعوكم إِلَيْهِ وَأَنْتُم فارون ويأمركم أَن تؤمنوا بِهِ وَأَنْتُم فريق مِنْكُم برَبهمْ كافرون كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون غذاكم فِي ظلمات الأحشاء كَمَا يغذي الثَّمر فِي الأغصان ثمَّ أخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى ضوء الفضاء وسعة الأوطان ثمَّ وَعدكُم أَن ينقلكم من عتمة شقوة الدُّنْيَا إِلَى روح نعيم الْجنان كم أَنْتُم بلقائه لَا توقنون ولنعمته لَا تشكرون كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إِلَيْهِ
[ ٢١٣ ]
ترجعون كُنْتُم أَمْوَاتًا فِي أصلاب الْآبَاء فِي بطُون الْأُمَّهَات ثمَّ يميتكم بعد هَذَا الْمَمَات لجزاء يَوْم الْمِيقَات وَهُوَ لِلْمُتقين يَوْم الْعِيد الْأَعْظَم وَلكنه على عصاة حسرات ثمَّ يرجعكم إِلَيْهِ ويبيحكم النّظر إِلَى وَجه الْكَرِيم ويذيقكم من رَحمته لَعَلَّكُمْ تشكرون ويريكم آيَاته فَأَي آيَات الله تنكرون كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون نعم ترادف إثْرهَا نعم هَذَا هُوَ الإفصال وَالْإِكْرَام غمرت أياديه بريقه فأنار مِنْهَا الْعَرَب والعجم أَتَرَى سلكنا برحمته دَارا يَدُوم لأَهْلهَا النعم اللَّهُمَّ بلغنَا بِرَحْمَتك دَار كرامتك بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
[ ٢١٤ ]