الْحَمد لله الَّذِي جعل جِهَاد النَّفس والعدو فرضا وَاجِبا ودينا واصبا فَمَا من مُسلم عَاقل إِلَّا وَهُوَ يعلم ان مجاهدة نَفسه وعدوه حق وَاجِب عَلَيْهِ فَهُوَ يَرْجُو رَحْمَة ربه ببذل نَفسه ويرغب فِيمَا لَدَيْهِ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَمن جَاهد بَين يَدَيْهِ تبَارك الَّذِي أحكم مباني دينه لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ وَجعل الْإِسْلَام رَأسه وَالصَّلَاة عموده وَالْجهَاد ذرْوَة سنامه فانتظمت بذلك أَحْكَام شرائع الدّين فَمن أسلم لرَبه فقد استمسك بالعروة الوثقى وَالْحَبل المتين وَمن اقام الصَّلَاة لذكره فقد أَخذ مركزه من صُفُوف العارفين وَمن جَاهد فِي سَبيله فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من مائَة دَرَجَة أعدت لِلْمُتقين الْمُجَاهدين كَانَت الْجنَّة للْإنْسَان وَقت عافيته كالبستان يسرح فِيهَا حَيْثُ يَشَاء وَجعلت الأَرْض لَهُ وَقت مَرضه كالمارستان يلْتَمس فِيهِ الشِّفَاء وَلَا شِفَاء إِلَّا بدواء وكل دَوَاء إِلَى الْمَرِيض بغيض فعالجوا أَنفسكُم من معضلات أدوائها بدوام جِهَاد أَعدَاء الله وأعدائها لقد تخصص الْجِهَاد على سَائِر الْقرب ببذل النَّفس للعطب فِي موطن يتَمَيَّز فِيهِ
[ ١٩٤ ]
الْخَوْف من الْجَوْهَر والنحاس من الذَّهَب حَتَّى مَتى أَنْت فِي لَهو وَفِي لعب تمسي وتصبح فِي عزف وَفِي طرب انهد بِجَيْش من الْأَعْدَاء منتصف وانهض بعزم إِلَى العلياء منتدب واظعن عَن الوطن المألوف مغتربا لَا يبلغ الْمجد إِلَّا كل مغترب جزائر الْهِنْد فِيهَا الْعود كالحطب وَحين غربته يبْتَاع بِالذَّهَب كم ذَا الرقاد على ظهر المهاد وَقد مد الْحمام إِلَيْكُم كف مستلب يحكموا فِيكُم وَفِي بِلَادكُمْ فالنسل للبنين وَالْأَمْوَال للسلب يَا لهف نَفسِي على قوم لَهُم همم تعلو على قمم الأفلاك والشهب يستنفذون الْأُسَارَى من عدوهم لضعف أم لَهُم محزون وَأب وَالله لَو ان سُلْطَان يفرجها كُنَّا نُسَمِّيه الفراج للسرب أَيْن أَصْحَاب النُّفُوس الأبية أَيْن أَصْحَاب الأنفة الحمية أَوْفوا بالعهد الْقَدِيم وارغبوا فِي الْأجر الْعَظِيم وقاتلوا فِي سَبِيل الله واعلوموا أَن الله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم قُولُوا لأهل الهمم الْعلية كَيفَ يرضون بالحطة الدنية تنبهوا من رقدة الغافلين وتأهبوا لمرافقة الصَّالِحين وَإِذا عزمتم فتوكلوا على الله إِن الله يحب المتوكلين المجتهدون لله بِاللَّيْلِ هم حماة الْإِسْلَام وثناؤهم على الله مَفَاتِيح دَار السَّلَام يبيتُونَ يراوحون بَين الْحَيَاة والأقدام وَالنَّاس على فرشهم نيام فَأهل
[ ١٩٥ ]
الْعباد بَيْننَا كالمقاتلين عَن المنهزمين بهم يدْفع الله الْعَذَاب عَن العاصين ويحرس الْعباد والبلاد من جيوش الكافرينولولا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض وَلَكِن الله ذُو فضل على الْعَالمين يَنْبَغِي على العازم على الدُّخُول فِي أَوْلِيَاء الله أَن يكون شحيحا ضَعِيفا قَوِيا مُطيعًا عصيا يُطِيع دَاعِي الله فِي الْعِبَادَة والتقى ويعصي دَاعِي النَّفس إِلَى اتِّبَاع الْهوى ويقوى على مجاهدة النَّفس والشيطان ويضعف عَن مُتَابعَة هَوَاهُ فِي ركُوب الْمعاصِي ويشح بِدِينِهِ وَعرضه وحسناته ويسخو بترك الدُّنْيَا الشاغلة عَن طَاعَة الله وَطلب مرضاته فَإِن الْحَسَنَة إِذا طلب بهَا وَجه الله تصير التمرة كالجبل العظيممثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله كَمثل حَبَّة أنبتت سبع سنابل فِي كل سنبلة مائَة حَبَّة وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء وَالله وَاسع عليم أَلا منفق لله من فضل يُوفى عَظِيم الْأجر من فضل مَاله أَلا موقن مرضاة مَوْلَاهُ مخلص عِبَادَته فِي قَصده وفعاله يُعَامل مَوْلَاهُ بإخلاص فِيهِ ويرغب فِي معروفه ونواله من بخل عَن الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه وَمن لم يقدس روحه بِالْأَعْمَالِ المرضية لله لم يدْخل فِي أهل قدسه وَمن لم يستوحش من كل مَا يشْغلهُ عَن الله لم يصر من أهل أنسه وَمن قصر فِي خدمَة الله جنى ثَمَر
[ ١٩٦ ]
تَقْصِيره وَقت حُلُول رمسه حِين لَا يحصد حاصد إِلَّا مَا زرعه وَلَا يجني جَان إِلَّا من غرسه كَيفَ تقبل من الْمُقَصِّرِينَ الْأَعْذَار وَقد بدلُوا نعْمَة الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار فإياكم أَن تَفِرُّوا من الْعَدو فكم قد كسا الْفِرَار أَهله من لِبَاس الْعَار أما سَمِعْتُمْ كَلَام من اخْتصَّ بِكَلَامِهِ صَفِيَّة المختاريا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا زحفا فَلَا تولوهم الأدبار لَو صرت مُجَاهدًا وَقت مُطَالبَة النَّفس ومحاربة الشَّيْطَان لرأيت من نصر الله الْعجب وَلَكِنَّك انقلبت يَوْم الفرارإلى حَيَاة الخزي والعار فبئست الْحَيَاة وَبئسَ المنقلب ربحت الخزف وَالْحجر وخسرت الْجَوْهَر وَالذَّهَب أما سَمِعت كَلَام الْعَزِيز الغفاريا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا زحفا فَلَا تولوهم الادبار رضيت بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة وخسرت الصَّفْقَة الرابحة وربحت الصَّفْقَة الخاسرة كَيفَ طابت نَفسك أَن تكون ظهيرا لفئة النَّفس على فِئَة الْقلب وَفِئَة الْقلب مُؤمنَة وَفِئَة النَّفس كَافِرَة كَيفَ اخْتَرْت لنَفسك ان يُقَال جبان فرار اما سَمِعت كَلَام من لَهُ الْعِزَّة والاقتداريا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا زحفا فَلَا تولوهم الأدبار الْعين مِنْهَا الدُّمُوع تنهمر والحزن باد وَالْقلب منكسر وَالدّين وَالْملك قد يضيع من ركبهما مَا يعمى بِهِ الْبَصَر لَيْسَ العجيب يعمى الْعُيُون وَقد نظرت أمرا يعمى بِهِ الْبَصَر الْملك تدعمه الحراب فَلَا يبْقى عَلَيْهِ التحدي وَلَا يذر فِي كل قطر زاحفة نَار فَلَا سدوا لَهَا شرر أَيْن تَوَجَّهت قد رَأَيْت من الْبلَاء مَالا يطيقه الْبشر مَا لجنود الْإِسْلَام قد زحفوا هَل يدْفع الْمَوْت مِنْهُم الحذر مَا لجَمِيع الْإِسْلَام مَا خَرجُوا إِلَى الْجِهَاد الَّذِي أمروا
[ ١٩٧ ]
مَالِي أرى المذنبين مَا فرغوا مَالِي أرى الراقدين مَا سهروا مَالِي أرى الْجَاهِلين مَا عرفُوا مَالِي أرى العارفين مَا اعتبروا كَيفَ يلذ الْكرَى وَقد طرقت بِلَادنَا النائبات والعبر والرب غَضْبَان والعصاة مَا كَانُوا فَلَا استغيثوا وَلَا هم اعتذروا فاستغفروا الله من صغائركم وَعَن ركُوب الْكَبَائِر اذدجروا وَانْتَظرُوا الْغَوْث من مراحمه مَا خَابَ قوم لغوثه انتظروا إِن مِمَّا قضى الله علينا فِي مُحكم كِتَابه من أنباء أنبيائه وَنَصره أوليائه على أعدائه مَا يثبت الْفُؤَاد وينبه من الرقاد قَوْله تَعَالَى وَإِذا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ جعل فِيكُم أَنْبيَاء وجعلكم ملوكا وآتاكم مَا لم يُؤْت أحدا من الْعَالمين لما حرص الكليم على تحريض قومه على جِهَاد الْأَعْدَاء ذكرهم بِمَا لله عَلَيْهِم من النعماء حَيْثُ يأنفون على أنفسهم من الهوان بعد الْإِكْرَام وَمن ظُهُور عَبدة الْأَصْنَام على مِلَّة الْإِسْلَام فَقَالَ يَا قوم اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم فَكَأَنَّهُ يَقُول أما يأنف من أكْرمه الله بالشريعة النَّبَوِيَّة أَن يجبن من جِهَاد أعدائه وَقد استولوا على دياره وأبنائه وَهل يرضى بِهَذَا لنَفسِهِ من لَهُ أنف كلا وَالله مَا رَضِي بالهوان كريم وَلَا استسلم للأعداء لئيم أَلا شهم فَتى كريم لَهُ رَأْي سديد مُسْتَقِيم لَهُ فِي كل نَاحيَة رَقِيب على أعدائه وهم هجوم مَتى سمع الْعَدو لَهُ بِذكر عراه الذل والخزي الْمُقِيم
[ ١٩٨ ]
وَمن يكل هَذَا فَعَلَيهِ طير بنصر رِجَاله أبدا يحوم وَإِلَّا فلينم حَتَّى يوافي عَدو وصيده الكسل النؤوم قَوْله وآتاكم مَا لم يُؤْت أحدا من العالمينيعني من عالمي ذَلِك الزَّمَان يَا قوم ادخُلُوا الأَرْض المقدسة الَّتِي كتب الله لكمقال ابْن عَبَّاس هِيَ الطّور وَمَا حوله وَقَالَ قَتَادَة الشَّام وَقيل أريحاء وَقيل دمشق وفلسطين وَبَعض الْأُرْدُن والمقدسة أَي المطهرة الْمُبَارَكَة وَقَوله كتب الله لكمأي أوجب لكم وَلَا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرينأي لَا ترجعوا مُدبرين إِلَى وَرَائِكُمْ فتنصرفوا خائبين قَالُوا يَا مُوسَى إِن فِيهَا قوما جبارينكل من لَا تكون خشيَة الله أغلب عَلَيْهِ من خشيَة الْخلق مَلأ الله قلبه مِمَّا سواهُ رعْبًا وَجعل كل شَيْء يخافه رَبًّا وَإِنَّا لن يدخلهَا حَتَّى خَرجُوا مِنْهَا فَإِن يخرجُوا مِنْهَا فَإنَّا داخلونلما جَنبُوا عَن الْقِتَال أحالوا على الْمحَال وَهُوَ طَرِيق من طرق الضلال لَا بَارك الله فِي رجال قد سلكوا سبل الضلال لَا أهل كُنَّا فِي يَوْم حَرْب وَلَا فحول يَوْم الْقِتَال قد قنعوا من حطام دنيا بِطيب عين وَجمع مَال فَلَا بُد يدنون من حَرِيم وَلَا يحامون من عِيَال لَكِن قومِي إِذا دعاهم دَاع إِلَى الْحَرْب والنزال طاروا إِلَيْهِ على متون الْجِيَاد بالذيل العوال
[ ١٩٩ ]
فتاهم عاشق الْمَعَالِي وَكلهمْ للحياة سالي جزاهم الله كل خير فِي كل وَقت وكل حَالي قَالَ رجلَانِ من الَّذين يخَافُونَ أنعم الله عَلَيْهِمَا ادخُلُوا عَلَيْهِم الْبَاب فَإِذا دخلتموه فَإِنَّكُم غالبون مَا بَين العَبْد وَبَين النَّصْر إِلَّا أَن يوطن نَفسه على الصَّبْر أمروا بِالدُّخُولِ من الْبَاب على عدوهم وَضمن لَهُم النَّصْر عقيب دُخُولهمْ فَلَو تلقوا أَمر رَبهم بِالسَّمْعِ والإطاعة لم يحولهم إِلَى الصَّبْر إِلَّا سَاعَة فَلَا قرت عُيُون الْجُبَنَاء مَاذَا فاتهم من النَّصْر والْعَلَاء لَو وطنوا أنفسهم على صَبر سَاعَة يَوْم اللِّقَاء من غديري من معشر جبناء مَا وفوا بالعهود يَوْم اللِّقَاء إِنَّمَا الْملك وَالْغنيمَة وَالْأَجْر وقهر العداء وَحسن الثَّنَاء لفتى صابر الْعَدو فَوَافى حِين وخز الرماح فِي الأحشاء إِن أردْت الثَّوَاب وَالْملك فاصبر سَاعَة الْمَوْت تَحت خَفق اللِّوَاء وعَلى الله فتوكلوا إِن كُنْتُم مؤمنينفي هَذِه الْآيَة دَلِيل على ان من ولى وَقت الزَّحْف فَلَيْسَ لَهُ نصيب فِي التَّوَكُّل وفيهَا دَلِيل على أَن من لَا يتوكل لَهُ
[ ٢٠٠ ]
فَلَا إِيمَان لَهُ لِأَن الْمَعْنى إِن كُنْتُم مُؤمنين فتوكلوا وَإِن كُنْتُم متوكلين فاثبتوا فمفهومها إِن لم تثبتوا فَمَا أَنْتُم متوكلين وَإِن لم تتوكلوا فَمَا أَنْتُم مُؤمنين أَي لَا يتم إيمانك إِلَّا بالتوكل وَلَا يصدق توكلكم إِلَّا بالثبات قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لن ندْخلهَا أبدا مَا داموا فِيهَا جرى فألهم على ألسنتهم حِين قَالُوا إِنَّا لن ندْخلهَا أبدافلم يدخلوها لِأَن الله حرمهَا عَلَيْهِم وَهَذَا جَزَاء كل من لَا يتَقَبَّل النعم بالشكر أَي يُحَال بَينه وَبَينهَا بلون سَواد بِهِ آخر الْعَهْد مِنْهَا الذَّنب لي فِيمَا ابْتليت بِهِ من رَاحَة نقلت إِلَى تَعب ورقاد عين عَاد لي سهرا ومواهب حَالَتْ إِلَى سلب وفراق أحباب نعمت بهم وبقربهم فِي سالف الحقب مَا كنت أعرف قدر مَا بذلوا حَتَّى ابْتليت بكف مستلب هَذَا جَزَاء مُقَابل نعما بدلت لَهُ إساءة الْأَدَب مَا زَالَ فِي لَهو وَفِي لعب حَتَّى دَعَا بِالْوَيْلِ وَالْحَرب فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ هَذَا كَلَام قوم جاهلين بالحكمة فِي سنة الْجِهَاد لِأَن الْجِهَاد شرع للْمُؤْمِنين تمحيصا للسيئات ورفعة فِي الدَّرَجَات فَإِذا كَانَ الْمقَاتل غَيْرك فَكيف تحصل لَك هَذِه الْفَوَائِد فِي قَوْله تَعَالَى ذَلِك وَلَو يَشَاء الله لانتصر مِنْهُم لَكِن ليبلو بَعْضكُم بِبَعْض وَالَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله فَلَنْ يضل أَعْمَالهم سيهديهم وَيصْلح بالهم ويدخلهم الْجنَّة عرفهَا لهمفمن كَانَ فِي إِحْرَاز هَذِه الْخيرَات طامعا فَلْيَكُن إِلَى الْجِهَاد نَفسه
[ ٢٠١ ]
وعدوه مسارعا إِن كنت فِي نيل السَّعَادَة طامعا فانهض إِلَى حمل السِّلَاح مسارعا واركب جواد الْعَزْم وَاحْمَدْ حمله البطل الحلاحل حاسرا أَو دَاعيا واصبر على مضض الجلاد مراميا ومطاعنا ومسائفا ومقارعا واصدق عَدوك فِي لقائك سَاعَة لم تلق مثل الصدْق شَيْئا قَاطعا واغش السيوف فِي نحر وَجهك وَقت مَا يحمي الوغى والق الرمام شوارعا لَا تجزعن وَلَو قتلت فَإِنَّهُ لم يبلغ الْعليا من يَك جازع وترج إِحْدَى الحسنين شَهَادَة تحصنك أَو نصرا لمجدك رَافعا قَالَ رب إِنِّي لَا أملك إِلَّا نَفسِي وَأخي فافرق بَيْننَا وَبَين الْقَوْم الفاسقينتبرأموسى ﵇ إِلَى ربه من عصيان قومه فعذره الله تَعَالَى وَأخْبرهُ بِمَا هُوَ معجل لَهُم الْعقَاب مَعَ حرمَان الثَّوَاب قَالَ فَإِنَّهَا مُحرمَة عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سنة يتيهون فِي الأَرْض فَلَا تأس على الْقَوْم الفاسقينفصرفوا عَنْهَا أَذِلَّة صاغرين ودخلوا فِي التيه فَلم يخرج مِنْهُم أحد حَتَّى أَتَى الْمَوْت عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ حَتَّى إِن مُوسَى وَهَارُون كَانَا فِي التيه من جملَة المتيهين وَلم يدْخل الأَرْض المقدسة من ذَلِك الْحِين أحد مِنْهُم وهم سِتّمائَة ألف فيهم الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ والأولياء وَالنِّسَاء والأطفال عمهم جَمِيعًا شوم العاصين رَضوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فانقلبوا بالصفقة الخاسرة فَمَا ربحت تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مهتدين
[ ٢٠٢ ]
لَا تَبِيعُوا الدّرّ بالخزف لَيْسَ هَذَا فعل معترف واركبوا الأخطار فِي طلب الْمجد والعياء والشرف فَاطْلُبُوا الثأر الَّذِي لكم عِنْد أهل الْجور والخيف أَو فكوا حُرْمَة قنعت بِلُزُوم الْبَيْت والعلف من كَانَ مَعَ الله كَانَ الله مَعَه وَمن تكبر على الله وَضعه وَمن تواضع لله رَفعه وَمن استودع الله دينه وَنَفسه حفظه عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّي إِلَى الله مَا استودعه فكونوا بِاللَّه فِي ضَمَانه واثقين وَإِلَى الله فِيمَا عِنْده راغبينوقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة كَمَا يقاتلونكم كَافَّة وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ قل للَّذين آمنُوا بزلهم كونُوا مَعَ الْإِيمَان عاملينا إِذا أَتَاكُم مُنَاد من ربكُم فَلَا تَكُونُوا عَنهُ معرضينا قُولُوا سمعنَا وأطعنا واحذروا أَن تصبحوا لله مسخطينا من خَالف الله فقد أسخطه فَلَا تكونن مسخطينا وَجَاهدُوا أعداءكم فَإِنَّهُم قد أَصْبحُوا لكم معاندينا إيَّاكُمْ وَالظُّلم فِيمَا بَيْنكُم فَقل مَا ينصر ظالمونا واخلصوا نياتكم فالإخلاص أقوى مَا بِهِ فِي الْحَرْب تنصرونا ووطنوا النَّفس على الصَّبْر وَلَو قتلتم بِالصبرِ أجمعونا فموتنا وَلَا نرى عدونا يستأثر الْبَنَات والبنينا كم استباحوا حرما مُمْتَنعا كم هتكوا محجبا مصونا
[ ٢٠٣ ]
كم غربوا مستوطنا عَن دَاره وَكم أخافوا بَلَدا أَمينا كم أفقروا ذَا ثروة من مَاله حَتَّى غَدا مستعطيا مِسْكينا نَسْتَغْفِر الله ذنوبا سلطت أعداءنا وطمعتهم فِينَا عَسى الَّذِي أَعلَى الْعَدو فَوْقنَا عَلَيْهِم من بعْدهَا يعلينا اللَّهُمَّ يَا خير الغافرين اغْفِر لنا ذنوبنا اللَّهُمَّ يَا خير الرَّاحِمِينَ ارحمنا فِي كل شَيْء من نعمك علينا اللَّهُمَّ يَا خير الرازقين ارزقنا رضاك عَنَّا ولطفك بِنَا اللَّهُمَّ يَا خير الفاتحين افْتَحْ بَيْننَا وَبَين الْقَوْم الظَّالِمين ونجنا بِرَحْمَتك من الْقَوْم الْكَافرين اللَّهُمَّ يَا خير الناصرين انصرنا على من عَادَانَا واردد لنا الكرة عَلَيْهِم وَكن لنا عَلَيْهِم ظهيرا وامدد لنا بأموال وبنين واجعلنا أَكثر نفيرا من كَانَ مَعَ الله بالإخلاص والصدق كَانَ الله مَعَه بالتأييد والنصر وَمن اعْتقد أَن لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه أنزل الله عَلَيْهِ السكينَة وَالصَّبْر وَمن علم ان لَا نَاصِر إِلَّا الله لم يكله إِلَى اُحْدُ فِي شَيْء من الْأَمر وطنوا أَنفسكُم على الصَّبْر والثبات فضل سَاعَة وابذلوا فِي مصابرة الْعَدو مَا فِي وسعكم من الِاسْتِطَاعَة واحذروا ان تقدمُوا على ربكُم وَأَنْتُم لفرائضه مضيعون وَفِي أَدَاء أَمَانَته عنْدكُمْ مفرطونيا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا اماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ نقض العهود على الْكِرَام حرَام قوم عَلَيْهِم للوفاء ذمام فَإِذا لقوا صدقُوا الْعَدو وَكَيف لَهُم أصُول فِي اللِّقَاء كرام
[ ٢٠٤ ]
وَلَهُم عُيُون لَا تنام عَن العدى من يطْلب الْأَعْدَاء كَيفَ ينَام أصلوا نفسهم نفيرا لملتقى وعَلى حِيَاض مِنْهُ حاموا شهروا الصوارم فِي الوغى من غمدها وبغيرها فَاتَ العدى ساموا شربوا وأسقوا كأس حتف جردت لَهُم الْعَدو فلاح مِنْهُ عِظَام حام الْعَدو وحاد يَوْم لقائهم وهم غَدَاة الْمُلْتَقى مَا حاموا مَا زَالَ إِلَّا أَن دين عدوهم كفر وَدينهمْ هُوَ الْإِسْلَام قد أيقنوا ان الفناء مصير دنيا هم وَلَو دَامَت لَهُم مَا داموا من كل شهم ماجد صلى الوغى وَالْوَجْه أَبيض مَا علاهُ قتام ركبُوا رضى الْمولى وجنات العلى فأنالهم من فَضله مَا راموا مَا زَالَ يبْذل نَفسه فِي الذب عَن دين النَّبِي كَأَنَّهُ الضرغام حَتَّى سقى الأقوام كأس حمامهم وسقاه كأس حمامه الأقرام لقى الْحمام وَيَا سَعَادَة مُسلم يلقاه فِي ذَات الْإِلَه حمام نَالَ الشَّهَادَة والسعادة وانثنى وَالْعرض أَبيض مَا عَلَيْهِ ملام مَا كل من رام السَّعَادَة نالها إِن السَّعَادَة والشقاء أَقسَام سبق الْقَضَاء بِمَا هُوَ كَائِن طوى الْكتاب وجفت الأقلام اللَّهُمَّ بدوام غناك عَن كل شَيْء سواك ارْحَمْ دوَام افتقارنا إِلَيْك وَلَا تجْعَل استغاثتنا بِشَيْء دُونك وكما خلقتنا لعبادتك وفقنا لما خلقتنا وكما ضمنت لنا أرزاقنا فاجعلنا بضمانك واثقين وكما أنزلت علينا كتابك وَبعثت إِلَيْنَا رَسُولك فاجعلنا بكتابك عاملين ولرسولك متابعين ترى حَضَرنَا مَعَ من يحسن السماع قلينتقل عَمَّا هُوَ مُسْتَمر عَلَيْهِ من زمَان الرَّضَاع من سوء الْعَادة
[ ٢٠٥ ]
وَفَسَاد الطباع وَأَدَاء من أهْدى إِلَيْهِ النصح قبله وَانْفَتح بِهِ حق الِانْتِفَاع هَل من أَخ وجد أطارحه مَا لم أزل لغفيه من بعدِي مَا زلت اكتم مَا بليت بِهِ حَتَّى عجزت فَقلت مَا عِنْدِي أَنا من مُلُوك كَانَ ملكهم يَعْلُو مُلُوك الصين والهند كَانَ الْعَدو يخَاف غائلتي ويفر من ظِلِّي على بعد فَقلت عَن تحصين مملكتي تبَاعد الْأُمَرَاء والجند فغزاني الْأَعْدَاء فانتزعوا مني الْبِلَاد وأخربوا مجدي أَمرنِي رَبِّي بِمَا فِيهِ إصْلَاح شأني ونهاني عَمَّا فِيهِ هواني وخسراني فعصيت رَبِّي وأطعت شيطاني فاحذروا ان يُصِيبكُم مَا أصابني ويدهاكم مَا دهاني كنت فِي قربهم بِكُل نعيم لَا أُبَالِي طوارق الْحدثَان فسقاني الْعَدو كأس اغترار لَيْتَني مت من قبل ان سقاني غرني باستمالة النَّفس للشهوة حَتَّى بحبها أغراني شدّ وسطي مِنْهُ بِحَبل غرور ثمَّ فِي حُفْرَة الردى دلاني والحسيب الرَّقِيب ينظر مَا أصنع حَيْثُ لَا أرَاهُ وَلَا يراني حِين مددت يَدي إِلَى شَهْوَة النَّفس الَّتِي قبل ذَاك عَنْهَا نهاني طَار تَاج الْملك الَّذِي كنت توجت وأخرجت من قُصُور الْجنان فاندبوا مصرعي ونوحوا عَلَيْهِ واحذروا بِأَن يدهاكم مَا دهاني
[ ٢٠٦ ]
أَلا رجل كريم الطباع يعزم عَزمَة البطل الشجاع يوطن نَفسه على صَبر شناعة ويبذل فِي غسل عاره بِأخذ ثأر حميد الِاسْتِطَاعَة ويكف أَلْسِنَة الشامتين بِهِ عَن هَذِه الشناعة فَلَقَد سمع بمصيبتنا مَعَ عدونا سامع الْإِنْس وَالْجِنّ إِلَى قيام السَّاعَة وَهَذَا جَزَاء من سلك طَرِيق الْمعْصِيَة وتنكب طَرِيق الطَّاعَة يَا وَيْح من نزل الْعَدو بِهِ فَلم يملك نزاعه فأزاحه عَن ارضه حَتَّى لقد اخلى رباعه وسبى الْحَرِيم بعد ان بلغ الفضيحة مِنْهُ بَاعه من كل وَجه مصونة كالبدر قد هتكوا أقناعه أَيْن الحمية والأبية والشهامة والشجاعة كل قربَة تتقرب بهَا إِلَى رَبك هِيَ قلعة من قلاع دينك والعدو مُجْتَهد فِي كل وَقت وعَلى كل حَال فِي حِصَار قلاعك بِالرِّجَالِ والحبال فَكل طَاعَة يُفْسِدهَا عَلَيْك فَهِيَ حصن من حصون دينك انتزعه من بدنك وَأَنت من استيلائه على حصونك تَقول لَا بَأْس عَليّ مَا دمت آكل وأشرب وأجيء وأذهب وَهل الْبَأْس أَلا تكون هَارِبا من عَدوك من كل مهرب قد ضيق عَلَيْك كل مَذْهَب وكدر كل مشرب كلما ضربت مَعَه رَأْسا كَانَ عَلَيْك اظهر وَلَك أغلب شرقوا وغربوا مَا من الْمَوْت مهرب كَيفَ ينجو الْمَطْلُوب بالسير وَالله يطْلب وَيَمُوت تَحت السيوف كراما أَو تغلبُوا مالرأي بَقَاء غير أَن تستعدوا وتغضبوا إِن هَذَا الْفِرَار عَار وَله الرب يغْضب
[ ٢٠٧ ]
فاثبتوا فِي صفوفكم فقبيح ان تهربوا كم جَدِيد قد أخلقوا كم مشيد قد أخربوا والعدو المخذول يَد نو إِلَيْنَا وَيقرب والسبابا غَدَتْ ينا ح عَلَيْهَا وَينْدب كم أَسِير لديهم وعَلى الْوَجْه يضْرب كَانَ بالْأَمْس سالبا فَهُوَ الْيَوْم يسلب لهف نفس على حرا ئر تسبى وتنهب يَا أسود الورى اغضبوا يَا جنود الوغى اركبوا واغسلوا الْعَار واطلبوا الثأر تعلوا وتغلبوا وأملوا الله إِن آمله لَا يخيب اللَّهُمَّ آونا إِلَيْك ودلنا عَلَيْك وَاجعَل راحتنا عِنْد لقائك ورغبتنا فِيمَا لديك وضاعف صلواتك على عَبدك وَرَسُولك مُحَمَّد وَآله وَسَائِر عِبَادك الصَّالِحين وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين
[ ٢٠٨ ]