الْحَمد لله غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمصير مثير السَّحَاب بالرياح من مثارها ومدير الأفلاك على الأقطاب فِي مدارها فَلَا تَأْثِير إِلَّا وَهُوَ مثير وَلَا دائر إِلَّا وَهُوَ لَهُ مدير دبر فأحكم التَّدْبِير وَقدر فأبرم التَّقْدِير من استرحمه فَهُوَ لَهُ رَاحِم وَمن استنصره فَهُوَ لَهُ نصير وَمن استغاثه فَهُوَ لَهُ مغيث وَمن استجاره فَهُوَ لَهُ مجير تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة ويكلأعباده باليل وَالنَّهَار وَلَا يَأْخُذهُ نوم وَلَا سنة وَيُدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض بتدبير مَا أتقنه وَأحسنه فَلهُ الْحَمد على حسن التَّدْبِير فِي مجاري الْقَدِير فِي بَابه يجْبر الْكسر وَيطْعم البائس الْفَقِير لَيْسَ عَلَيْهِ مجبر خلق وَهُوَ على قلبه جُبَير
[ ١٨٥ ]
علم مُحِيط فَلَا صَغِير يغرب عَنهُ وَلَا كَبِير لكل أقوالنا سميع لكل أَعمالنَا بَصِير إِذا ابتلينا فَهُوَ الْمعَافي أَو نَحن خفنا فَهُوَ المجير وَإِن مرضنا فَهُوَ المداوي وان أسأنا فَهُوَ الغفور إحساننا عَائِد علينا وَهُوَ لنا مادح شكور سُبْحَانَ من يشْكر الْمُحْسِنِينَ على إحسانهم وَإِنَّمَا إحسانهم من إحسانه سُبْحَانَ من تعامله الْعباد بعصيانه ويعاملهم بغفرانه سُبْحَانَ من لَوْلَا حلمه لعاجل العَاصِي بالعقوبة قبل تَوْبَته من عصيانه وَلكنه يمهلهه مَا دَامَت الرّوح فِي جثمانه فَإِن تَابَ قبل مَوته تَلقاهُ بمغفرته وَرَحمته ورضوانه وَإِن مَاتَ مُؤمنا بربه تَلقاهُ بمغفرته وَإِن مَاتَ مُؤمنا بربه مصرا على ذَنبه أنقذه من النَّار وَلَو بمثقال ذرة من إيمَانه وَلَا يهْلك على الله إِلَّا طاغ مُسْتَمر على طغيانه لِأَنَّهُ تَعَالَى أرْحم بِعَبْدِهِ من الْوَالِد بولده فِي عطفه ولطفه وعنايته بصلاح شَأْنه أحن إِلَى رفك العقيق وبانه فَهَل عَائِد لي مَا مضى من زَمَانه ليَالِي أرعى روض وَهل سخت بِهِ يَد الدَّهْر من إحسانه وحسانه يمكنني مِمَّا أحب فأجتني ثمار مني إِمْكَانه ومكانه وأمنتني إِذْ ذَاك من روعة الورى فعشت زَمَانا واثقا بأمانه إِلَى ان قضى رَبِّي بذلي وشقوتي وكل قَضَاء مصير لأوانه فجرعت مر الْعَيْش من بعد حلوه وعوضت من إكرامه بهوانه
[ ١٨٦ ]
وَهَا أَنا لَا أَرْجُو سوى ان سَيِّدي يعود على فقري بِفضل امتنانه وَيجْبر مني كل كسر بنظرة أعيش بهَا طول المدى فِي حنانه تبَارك الله مَا أروم نسمات الإرتياح إِلَيْهِ وَمَا أشجى حنين المتلهفين عَلَيْهِ وَمَا أبرد مصافحة استشعار الرِّضَا عَنهُ وَمَا ألذ الْعَيْش فِي بِلَاد الدنو مِنْهُ وَكَيف لَا وَهُوَ الْمُنْتَهى فِي نعوت الْجلَال وَالْجمال وَلَيْسَ وَرَاءه مرمى فِي شَيْء من صِفَات الْكَمَال أَحْمَده على كل حَال إِن قبض وَإِن بسط وَإِن منع وَإِن أنال وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله الْكَبِير المتعال شَهَادَة مُعْتَقد ان كل معبود دونه محَال وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله اختصه للنبوة وأكرمه بِالْإِرْسَال فشفى من السقم هدى من الضلال ﷺ وعَلى آله وَصَحبه وَمن اتبعهم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الْمَآل خُصُوصا على الْعشْرَة وَمن جُمْلَتهمْ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَصْحَاب الهمم العوال اللَّهُمَّ افْتَحْ منا أسماعا وأبصارا وَبَارك لنا فِي حُضُور هَذَا الْمجْلس حَتَّى لَا نقوم إِلَّا وَقد غفرت لنا إِنَّك كنت غفارًا وَاجعَل لإِخْوَانِنَا نَصِيبا فِي صَالح دعائنا يَا من لم تزل نعْمَة غزارا ودائمة مدرارا
[ ١٨٧ ]
وَهِي قَوْله تَعَالَى سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام الى الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي باركنا حوله لنريه من آيَاتنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير أَكثر النَّاس يَقُولُونَ سُبْحَانَ اللهوما يعْرفُونَ مَعْنَاهَا وَهِي فِي لُغَة الْعَرَب تَعْنِي التَّنْزِيه والتعجب فقولنا سُبْحَانَ الله أَي تَنْزِيه الله من كل سوء وتبريئه من كل نقص وتعجب من وَصفه بِمَا لَا يَلِيق بِهِ من الْوَلَد والصاحبة وَالشَّرِيك وَغير ذَلِك مِمَّا برِئ مِنْهُ وَتَعَالَى عَنهُ فَقَوله أسرى بِعَبْدِهِ أَي سيره بِاللَّيْلِ والسرى لَا يكون إِلَّا بِاللَّيْلِ خَاصَّة والعبدهو مُحَمَّد ﷺ وَالْمَسْجِد الحرامفهو مَسْجِد مَكَّة المحتوي على الْكَعْبَة وَأما الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَهُوَ مَسْجِد الْمُقَدّس الَّذِي باركنا حوله أَي جعلنَا مَا حف بِهِ مُبَارَكًا وَذَلِكَ جَمِيع بِلَاد الشَّام رأى لَهَا مزية على غَيرهَا فِي البركات من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لنريه من آيَاتنَا أَنه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير الْآيَات هِيَ الْعَجَائِب وَكم أطلع الله نبيه لَيْلَة الْمِعْرَاج على بِنَاء عَظِيم وَأمر عَجِيب إِنَّه هُوَ السَّمِيع البصيرهو الله ﷾ أَي أَن الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ هُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَقيل هُوَ النَّبِي ﷺ أَي ان العَبْد الَّذِي أسرينا بِهِ هُوَ سميع لما أُوحِي إِلَيْهِ بَصِير بِمَا حكى عَلَيْهِ أَيهَا الزائر الَّذِي رام وصلا قد رَأَيْنَاك للَّذي رمت أَهلا إِلَيْهِ سمعا لما يُقَال فهدى كَلِمَات الرِّضَا على السّمع تتلى وَإِذا مَا أميطت فاحفظ حسن آدَاب مَا على الْعين تجلا
[ ١٨٨ ]
أَيهَا الصب المشتاق هَا قد بذلنا لَك مَا كنت تشْتَهي فتملا قد تجلى لَك الحبيب وَأوصى ضيه العاشقين أَن تتجلا كم محب أَرَادَ وصلنا لم يُصَادف منا سوى كن وكلا مَا لكل الرواد يفتح الْبَاب لَا وَلنْ يلتقى بأهلا وسهلا سُؤال مَا الْحِكْمَة فِي افْتِتَاح آيَة الْإِسْرَاء بِلَفْظ سُبْحَانَهُ الْجَواب إِن لَفْظَة سُبْحَانَهُ تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الْأَمر العجيب فافتتحت بهَا آيَة الْإِسْرَاء لما كَانَ فِيهِ من الْأَعَاجِيب سُؤال مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله أسرى بعبدهولم يقل بِرَسُولِهِ وَلَا بِنَبِيِّهِ الْجَواب إِن عِيسَى ﵇ قيل فِيهِ إِنَّه الله وَابْن الله للكرامة الَّتِي أكْرمه الله بهَا وَهِي دون كَرَامَة الْمِعْرَاج وَكَذَلِكَ قَالَت الْيَهُود فِي الْعَزِيز أَنه ابْن الله لأيسر كَرَامَة فَلَمَّا أكْرم الله نبيه ﷺ وهوكرامة بَالِغَة حصل لَهُ فِيهَا الدنو من ربه والقرب والرؤية الَّتِي لم يبلغهَا غَيره فوصفه بالعبودية فِي هَذَا القام حَتَّى لَا تغلو فِيهِ أمته غلو النَّصْرَانِيَّة واليهودية وأحوج مَا يكون العَبْد الى التَّوَاضُع لِعَظَمَة ربه أقرب مَا يكون من معارج قربه فاخوف مَا يكون العَبْد يَوْمًا من الإبعاد أقرب مَا يكون
[ ١٨٩ ]
سُؤال مَا الْحِكْمَة فِي جعل الْمِعْرَاج بِاللَّيْلِ دون النَّهَار الْجَواب إِن اللَّيْل أفرغ للقلب وَأجْمع للهمم وأهيأ للوصل وأنظم للشمل ظلمَة اللَّيْل للتواصل أهنى من ضِيَاء النَّهَار عِنْد الْمُحب وصلهم سرهم وَمَا احوج السِّرّ إِلَى ستره بسخف الْحجب سُؤال مَا الْحِكْمَة فِي أَنه قَالَ لنريه من آياتناولم يقل لنسمعه الْجَواب لَهُ وَجْهَيْن الْوَجْه الاول أَن الْآيَات هِيَ الْأَعَاجِيب وَأكْثر اعاجيب الْمِعْرَاج كَانَت من المرئيات لَا المسموعات كسدرة الْمُنْتَهى وفراش الذَّهَب والنهرين البطنين والظاهرين وَغير ذَلِك من عوالم الملكوت الْوَجْه الثَّانِي أَن الْمِعْرَاج كَانَ فِيهِ رُؤْيَة وَجه الله تَعَالَى وَهِي أخص فَوَائده
[ ١٩٠ ]
قَالَ لنريه وَلم يقللنسمعه إِشَارَة إِلَى أخص فَوَائِد لَيْلَة الْإِسْرَاء لِأَنَّهُ أرى فِيهَا وأسمع لَكِن كَانَ النّظر إِلَى الله سُبْحَانَهُ أخص من قسم المرئيات دون المسموعات فرجح جَانب المنظور بذلك فخصص بِالذكر لذَلِك سُؤال لماذا أضْرب عَن ذكر نظر الرَّسُول ﷺ إِلَى وَجه ربه فِي هَذِه الْآيَة الْجَواب كلما عظم الْأَمر اسْتحق السّتْر كَمَا قَالَ بَعضهم أغار عَلَيْهِ إِن صرح باسمه فَكيف إِذا مَا لَاحَ يَوْمًا جماله ويطويه قلبِي عَن لساني صِيَانة وكل نَفِيس لَا يَلِيق ابتذاله سُؤال مَا وَجه ذكر السّمع وَالْبَصَر دون غَيرهمَا من الْأَوْصَاف فِي آخر هَذِه الْآيَة الْجَواب إِن كَانَ السَّمِيع الْبَصِير رَسُول الله ﷺ فلولا صِحَة سَمعه ونفوذ بَصَره لم يكن أَهلا أَن يُتْلَى على سَمعه مَا يُتْلَى ويجلى على بَصَره مَا يجلى وان كَانَ السَّمِيع الْبَصِير هُوَ الله تَعَالَى فلولا أَنه سميع لأقوال عباده بَصِير بأعمال خلقه لما اخْتصَّ بالاسراء إِلَى كريم حَضرته رجلا وَاحِدًا من جَمِيع بريته الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته
[ ١٩١ ]
الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل خلقه من أرضه وسمائه فَإِذا رَأَيْت الله خصص وَاحِدًا مِنْهُم فَلَا تسلك سَبِيل عناده أفيضوا بِنَا فِي ذكر الْمُنعم فَمَا مزِيد الْخَيْر إِلَّا فِي شكره وأعيدوا علينا ذكر اسْمه فَمَا لَذَّة الْعَيْش إِلَّا فِي ذكره من تهجروه فَمَا لَهُ فِي هجره من رَاحَة إِلَّا إدامة ذكره هَب انه بِالْعينِ لَيْسَ يراكم الذّكر يجلو حسنكم فِي سره تروى لَهُ أخباركم فيراكم مِنْهَا فيهدأ من لواعج صَدره وَإِذا ترنم بِاسْمِك دَاعِي النَّوَى لمحبكم أطفى تلهب حره إِذا هتف باسم الحبيب لأسماع المحبين رَأَيْت مِنْهُم المكروبين وَمِنْهُم المرتاحين أماالمرتاحين فتلوح لَهُم من الذّكر لوائح التلاق وَأما المكروبين فتهيج مِنْهُم لواعج الأشواق وكل مِنْهُم فِي شرع الغرام مغدور وَرُبمَا اجْتمع الْأَمْرَانِ فِي وَقت وَاحِد للصف المهجور حبكم جنتي وناري قد عيل من ثقله اصطبارى ذكركُمْ تحدث ارتياحا طورا وطورا لهيب نَارِي وَالصبَا مَا بَين ذَا وَهَذَا مقلقل عادم القراري عَلَيْكُم مني بكاي إِلَيْكُم مني فراري وحقكم لَا سلوت عَنْكُم مَا جرت الْفلك فِي البحاري
[ ١٩٢ ]
مَا لي شَفِيع إِلَى علاكم أنجح من ادمعي الغزاري فَإِن وصلتم فوا انجباري وَإِن هجرتم فوا انسكاري صدق لِسَان الْمُحب فِي طلب وصال محبوبه هُوَ الَّذِي أوصله إِلَى مَطْلُوبه وكل محب طرد إِلَى الْبَاب فَإِنَّمَا أبعده الْمُحب عَن الجناب لِأَنَّهُ فِي دَعْوَى الْمحبَّة كَذَّاب الْمحبَّة لَازِمَة لأهل الْمعرفَة والشوق لَازم لأهل الْمحبَّة والانزعاج لَازم لأهل الشوق فَلَمَّا تَكَامل لرَسُول الله ﷺ الشوق تَكَامل لَهُ الانزعاج فقد أَدْرَكته رأفة الحبيب بليلة الْمِعْرَاج فَمَا زَالَ جِبْرِيل يسْلك بِهِ السبل وَيقطع بِهِ الفجاج حَتَّى سقى من عَذَاب فرات الْوَصْل مَا لَا يشوبه أجاج كل سكر يذهب الْعقل على النَّاس حرَام غير أهل الْحبّ فالسكر لَا يرام يَا نديمي قُم فقد درات على الشَّرَاب المدام دارت الكاسات أقداحا وأقوام نيام لَو دروا مَا فاتهم مَا راق للعين الْمَنَام بَابي شهم جسور مَا حد قوم همام يُؤثر النَّار على النَّار إِذا مَا يستضام لم يزل فِي السّير حَتَّى نَالَ أمرا لَا يرام جد حَتَّى أبعد الله وَالسَّلَام
[ ١٩٣ ]