لَا يزَال بَين جوانح الْمُحب لواعج الاشتياق فَإِذا ذكر اسْم الحبيب برد بعض ذَلِك الإحتراق والهجر سم قَاتل والوصل ترياق مَا يسم الهجران من ترياق غير وصل يرْوى صدى المشتاق لَو وجدنَا إِلَى الْوِصَال سَبِيلا لسقينا إِلَيْهِ بالأحداق اقْتُلُوا عبدكم فَفِي قَتله رَاحَة من لوائح الأشواق أَي عيس لمن يُفَارق إلفا ألف موت وَلَا قَلِيل فِرَاق
[ ١٧٦ ]
السالكون على قدم أهل الْمحبَّة يختارون الْمَوْت على الهجران والعاملون على طَرِيق أهل الخشية يؤثرون عَذَاب النَّار على ركُوب الْعِصْيَان وَأهل الْمعرفَة بِاللَّه بِمَا هُوَ أَهله مشغولون بِهِ عَن نصِيبهم مِنْهُ لَا يرَوْنَ الِاشْتِغَال بِشَيْء سواهُ وهم فِي ذَلِك يعظمون الحرمات والشعائر ويتقون كَبَائِر الذُّنُوب والصغائر ويوفون الْأَدَب فِي سياسة الظَّوَاهِر وحراسة السرائر وَقُلُوبهمْ معلقَة بِمن لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَلَا تكفيه البصائر لَو رق لي سكان حاجر لم تقرح الدمع المحاجر لَا غرو أَن هجر الْكرَى صبا لَهُ المحبوب يفاخر مَالِي كسرت وَأَنت يَا مولَايَ للمكسور جَابر هَب ان عَبدك قد أَتَى كل الْكَبَائِر والصغائر أَنْت الَّذِي سميت نَفسك فِي صَرِيح الذّكر غَافِر يَا مصرا على الذُّنُوب أما آن لَك أَن تتوب يَا غافلا عَن ذكر مَوْلَاهُ إِلَى مَتى أَنْت مَحْجُوب كم قد أَهلَلْت من شهر حرَام وهمله إِلَى الْحَرَام مَنْصُوب لَيْسَ فِي صدرك من خشيَة رَبك مَا يَنْبَغِي أَن يكون للرب فِي صدر المربوب روح الْقلب بِذكر الحبيب والسقمى فِيهِ من طَبِيب هُوَ انسى هُوَ رَاحَة قلبِي هُوَ روحي هُوَ مفرج الكروب هبت الرّيح جنوبا فَأَهْدَتْ لي من ذكركُمْ روح الْقُلُوب لذتني
[ ١٧٧ ]
مِنْهُ فَلَا أَزَال الدَّهْر أرتاح لريح الْجنُوب كلما نسب إِلَى الْجُنُون فَهُوَ جُنُون وَكلما إدى إِلَى الْمَطْلُوب مَطْلُوب جَمِيع الَّذِي يعزى إِلَيْكُم وينسب على كريم وَهُوَ عِنْدِي مُجيب جنوني غرقته بانسفاح مدامعي وقلبي على جمر الخصا يتقلب إِذا كَانَ هجري مدنيا من رضاكم فهجركم عِنْدِي من الْوَصْل أطيب الرِّضَا عَن الله لَازم لكل مَخْلُوق وَلَو حمله الله مَا لَا يُطيق لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يقْضِي إِلَّا بِالْحَقِّ وَمن لَا يرضيه الْحق فَهُوَ بِالْغَصْبِ والعقوبة محقوق سخط الْمَقْدُور يزِيد فِي الْمَحْذُور ومنازعة الْقَضَاء تزيد فِي الشَّقَاء والتواضع رفْعَة واليأس رَاحَة والإساءة وَحْشَة إِذا استحوذت الْغَفْلَة فقد استحكمت الشقوة كَرَاهِيَة العَبْد لِقَاء الرب دَلِيل على أَلا خبية بَينه وَبَينه أفضل الْعباد صِحَة الْإِرَادَة أعرف الْخلق بِاللَّه أقربهم مِنْهُ وأطوعهم لَهُ أعرفهم بِهِ الْعِبَادَة بِغَيْر الْمعرفَة كسر على غير جادة لَو انْتَبَهت من رقادك لوصلت إِلَى مرادك وَلَو أيقنت بمعادك لاستكثرت من زادك أَيْن مَا أَعدَدْت من زَاد قد حدا بالأنيق الْحَادِي مَا بَقِي إِلَّا الْقَلِيل وَقد جد سير الرائد الغادي
[ ١٧٨ ]
فتأهب للمسير إِلَى دَار قوم سكن الْوَادي وارتقب من بعْدهَا سفرا ثَالِث يجدونهم حادي لَا يزَال السّير يزعجهم بَين إصدار وإيرادي فَإِذا تمّ السرى نزلُوا فِي خُلُود خلدا وأيادي هَذِه مواسم الأرباح قَائِمَة فَهَل من رابح فِيهَا رضَا مَوْلَاهُ هَذِه نعم الله سابغة فَهَل شَاكر لله على مَا أولاه كم من مُؤَمل بُلُوغ مَا بلغتموه من الصِّحَّة والفراغ والمهل قبل أَن يبلغ عرى الْعَافِيَة الانفصام ومجنح شمس الْحَيَاة إِلَى الطِّفْل وَيَقُول الْقَائِل مَالِي لَا أرى فلَانا فَيُقَال انْتقل سروري سرى واصطباري رَحل وَقد رغبتم نجم سعدي أفل وَضَاقَتْ بِي الأَرْض من بعدكم تنكر لي سهلها والجبل وَمَا كنت أَحسب أَن البعاد سلع قلبِي فها قد قتل وَكنت أُؤَمِّل لقياكم فعز عَليّ بُلُوغ الأمل فَلَا تسمعوا قَول من قد وشاكم لم أطع فِيكُم من عذل ورقوا لمن قد براه السقام فَلَا يبْق فِي عدكم مُحْتَمل وَإِن كَانَ فِي الْحبّ لي من ذَلِك فَمَا زلتموا تغفرون الزلل تَعَالَى الله وَمَا أجل ذكره فِي أسماع المحبين من علو شَأْنه فِي قُلُوبهم يزجرون نُفُوسهم عَن دَعْوَى حبه وهم يعلمُونَ أَن حبه وهم يعلمُونَ أَن حبه أقرب الْوَسَائِل المدنية من قربه وَلَكِن لمعرفتهم بِهِ علمُوا أَن مُهُور محبته غَالِيَة على قدرهم فأمسكوا عَن
[ ١٧٩ ]
تعاطى الْمحبَّة وهم يعلمُونَ أَن رُتْبَة الْمُحب فَوق كل رُتْبَة حالتي تَقْتَضِي اعترافي لرَبي بذنوبي لرَبي وافتقاري سوء حَالي اقْتضى رضاي بإذني مَا عَسى أَن يجْبر الكساري أرتجي الْعَفو والوفاة على الْإِسْلَام وَالْعِتْق من عَذَاب النَّار آيستي الذُّنُوب من كل مجد وسناء ورفعة وفخار مَا لمثلي ان يَدعِي حب رَبِّي إِنَّمَا الْحبّ رُتْبَة الْأَطْهَار كَانَ ابْن الجلا ﵀ عَلَيْهِ إِذا سُئِلَ عَن الْمحبَّة قَالَ مَالِي وللمحبة أَنا أُرِيد أَن أتعلم التَّوْبَة اذا ادَّعَت نَفسك محبَّة الله فطالبها بِصِفَات محبته لتعلم أصادقة هِيَ ام كَاذِبَة فِيمَا تدعيه أَن أيسر مَا يكرم الله أهل محبته أَن يظْهر محبته أَن يظْهر عَلَيْهِم خوارق العوائد ويطلعهم على أسرار الْخَلَائق حَتَّى تكون عَلَيْهَا كشاهد كَانَ جمَاعَة عِنْد الْجريرِي فَقَالَ هَل فِيكُم من إِذا أَرَادَ الله أَن يحدث فِي المملكة حَدثا أبدى علمه إِلَى وليه قبل إبدائه فِي كَونه قَالُوا لَا فَقَالَ مروا وابكوا على قُلُوب لم تَجِد من الله شَيْئا من هَذَا لما أكْرمُوا مَوْلَاهُم أَن يراهم حَيْثُ نَهَاهُم صافاهم ووالاهم ولموالاته ارتضاهم وَكَيف لَا يرتضيهم وَقد أطاعوه وَكَيف لَا يطيعونه وَقد عرفوه سُئِلَ الشلبي عَن أَي شَيْء أعجب فال قلب عرف ربه ثمَّ عَصَاهُ إِنَّمَا كَانَت مَعْصِيّة الْعَارِف من أعجب الْعجب العجيب لِأَنَّهُ من الجناب الْعَزِيز قريب وَعَلِيهِ من الله فِي كل حَال رَقِيب فَهُوَ لقُرْبه من الله كَأَنَّهُ يرَاهُ أما الْعين محجوبة وَلَكِن الْقلب يتملاه دخل على الشلبي جمَاعَة فِي دَاره وَهُوَ بهيج وَيَقُول على بعدكم لَا
[ ١٨٠ ]
يصبر من عَادَته الْقرب وَلَا يقوى على حجبكم من قيمَة الْحبّ فَإِن لم ترك الْعين فقد يبصرك الْقلب لما أخلوا لَهُ الْقُلُوب مِمَّا سواهُ أَضَاءَت قُلُوبهم وَإِن كَانَت لَا ترَاهُ كَأَنَّهَا ترَاهُ وَلأَجل مَا هم فِيهِ من مقَام الْقرب واقفون وَمن عَظمَة رَبهم خائفون طالبوا بهَا النَّاس بِهِ مسامحون عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اله ﷺ يَا بِلَال إلق الله فَقِيرا وَلَا تلقه غَنِيا قَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ لي بذلك قَالَ هُوَ ذَاك وَإِلَّا فَالنَّار أَصْحَاب الْعِنَايَة مطالبون بِمَا لَا يُطَالب بِهِ المهملون والمقربون يناقشون على مَا تسَامح بِهِ المتعبدون لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ اصطنعهم لنَفسِهِ وجعلهم جلساءه فِي حَضْرَة قدسه فَكيف يسامحون فِي الإخلاء بِحسن الْآدَاب وَبِحسن الْأَدَب استحقوا ساميات الرب لما استشفعت الْخَلِيفَة بسادات الْمُرْسلين يَوْم الْقِيَامَة تَأَخّر آدم بِسَبَب الشَّجَرَة الَّتِي نهى عَنْهَا وَهِي خَطِيئَة قد غفرت لَهُ وَقد تَابَ مهنا وَتَأَخر نوح بالدعوة على قومه وَمَا أَرَادَ بهَا إِلَّا هَلَاك أَعدَاء الله وتطهير الأَرْض والبلاد وأراحة الْعباد وَتَأَخر الْخَلِيل بالديات الثَّلَاث وَكلهَا كَانَت فِي ذَات الله وَطلب مرضاته وَتَأَخر الكليم بِالنَّفسِ الَّتِي قَتلهَا وَإِنَّمَا كَانَ الْمَقْتُول كَافِرًا بَاغِيا أَرَادَ كليم الله كَفه وَلم يعْتَمد قَتله وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت من اهل النُّبُوَّة والرسالة وَتَأَخر الْمَسِيح خجلا مِمَّا فَقلت النَّصَارَى فِيهِ وَذَلِكَ ذَنْب مَا جناه وَلَا إرتضاه علمُوا ان مقَام الشَّفَاعَة مقَام لَا يسامح تقدمُوا إِلَيْهِ فناقش كل مِنْهُم نَفسه بأدق مَا يلْزم وَيجب عَلَيْهِ كلما بلغُوا من الْقرب والأنس مقَاما ازدادوا لله إجلالا وإعظاما
[ ١٨١ ]
كلما زادني اقترابا وودا زَاد قلبِي لَهُ احتراما مجدا وَإِذا زَاد بالتواصل يَوْمًا خفت أَن يعقب التواصل ضدا كم قريب قد أهمل الْخَوْف فاعتاض بإهماله من الْقرب بعدا ومدل على الْأَحِبَّة جازوه بإدلاله إنتهارا وطردا ويخافوه بعد أنس ولطف ثمَّ قدوا لَهُ من الهجر مدا أطول النَّاس حسرة وأوجعهم كسرة عبد قربه مَوْلَاهُ ولاطفه وصافاه فعزه ذَلِك الْأنس والإقتراب فأحل بِمَا يلْزمه من محَاسِن الْآدَاب فنفضته يَد الْإِنْكَار نفضة أبعاد فَأصْبح مطرودا إِلَى يَوْم التناد يَا لَهَا حسرة ليَوْم البعاد كم ترى فتتت من الأكبادي يَا لَهَا صَيْحَة أطارت فُؤَادِي كم ترى أشمتت من الحسادي بدل الْوَصْل بالصدود وَقرب الديار بالبعد والكرى والسهادي مَا لقلبي مواليا لهمومي مَا لجنسي معاديا امهادي لَيْتَني مت قبل مَا ذقت من الهجر والقلى والبعادي لَا تلمني على افتضاحي فقد باحت دموعي بِمَا أسر فُؤَادِي
[ ١٨٢ ]