قَالَ ابْن جرير فِي قَوْله تَعَالَى التائبون أَي الراجعون عَمَّا يكرههُ الله ويسخطه إِلَى مَا يُحِبهُ ويرضاه وَعَن الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى التائبون قَالَ تَابُوا إِلَى الله من الذُّنُوب كلهَا وَقيل تَابُوا من الشّرك وبرئوا من النِّفَاق والتائبون على ثَلَاث طَبَقَات فأدناهم التائبون من الْكفْر وأوسطهم التائبون من الْمعْصِيَة وَأَعْلَاهُمْ التائبون من الْغَفْلَة وَأما العابدون فَقَالَ ابْن جرير الَّذين ذلوا لله خشيَة وتواضعا لَهُ وجدوا فِي خدمته وَقَالَ قَتَادَة العابدون قوم أخذُوا من أبدانهم فِي ليلهم وعدادهم وَعَن ابْن عَبَّاس إِنَّهُم المقيمون الصَّلَاة وَقَالَ الْحسن هم الَّذين عبدُوا الله بِاتِّبَاع أمره والعابدون أَيْضا على ثَلَاث طَبَقَات أَدْنَاهُم الموحدون وأوسطهم المطيعون وَأَعْلَاهُمْ المتبتلون وَأما الحامدون فَعَن ابْن عَبَّاس إِنَّهُم الَّذين يحْمَدُونَ الله على كل حَال
[ ١٣٢ ]
وَقَالَ الْحسن الحامدون على الْإِسْلَام والحامدون أَيْضا على ثَلَاث طَبَقَات أَدْنَاهُم الْقَائِم بِالْحَمْد الْوَاجِب كَقِرَاءَة سُورَة الْحَمد فِي الْمَكْتُوبَة وأوسطهم الحامد فِي كل مَوضِع يشرع فِيهِ الْحَمد كالفراغ من الْآكِل وَالشرب والعطاس وَأَعْلَاهُمْ الحامدون على كل حَال مِثْلَمَا كَانَ نوح ﵇ فَسَماهُ الله عبدا شكُورًا وَأما السائحونففيهم أَرْبَعَة أَقْوَال قيل هم الْغُزَاة وَقيل الْمُهَاجِرُونَ وَقيل طلاب الْعلم وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ هم الصائمون وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ السائحون هم الصائمون وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ كلما ذكر فِي الْقُرْآن من السياحة فَهُوَ الصّيام وَقَالَ الْحسن الصائمون شهر رَمَضَان وَقَالَت عَائِشَة ﵂ سياحة هَذِه الْأمة الصّيام وَهُوَ مَرْوِيّ عَنهُ ﷺ قَالَ سياحة أمتِي الصّيام
[ ١٣٣ ]
وَأما الراكعون الساجدون فَقَالَ الْحسن هم المصلون الصَّلَوَات المكتوبات وَأما الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر فَقَالَ ابْن جرير الَّذين يأمرون النَّاس بِالْحَقِّ وَنَهَوْهُمْ عَن كل قَول اَوْ فعل نهى الله عَنهُ والناهون عَن الْمُنكر عَن الشّرك وَعنهُ الآمرون بِالْمَعْرُوفِ قَالَ إِمَّا انهم لم يأمروا النَّاس بحسنة حَتَّى كَانُوا من أَهلهَا والناهون عَن الْمُنكر قَالَ إِمَّا انهم لم ينهوا عَن الْمُنكر حَتَّى انْتَهوا عَنهُ وَقَالَ أَبُو الْعلية كل مَا فِي الْقُرْآن من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فَهِيَ من عبَادَة الْأَوْثَان وَالشَّيَاطِين وَقَالَ عَطاء الأمرون بِالْمَعْرُوفِ بفرائض الله وَحده وتوحيده والناهون عَن الْمُنكر ترك فَرَائض الله وحدوده وَعَن الشّرك بِهِ وَأما الحافظون لحدود الله فَقَالَ إِبْنِ عَبَّاس يَعْنِي القائمين على طَاعَة الله وَهُوَ شَرط شَرطه الله على أهل الْجِهَاد إِذْ وفوا لَهُ بِشَرْطِهِ وفى لَهُم بشرطهم أَي أَن بعض الْمُجَاهدين يرتكبون الْمُحرمَات من زنا وَشرب خمر وَغير ذَلِك فَإِذا أنكر عَلَيْهِم قَالُوا نَحن مجاهدون وَالْجهَاد يطهرنا فَردَّتْ الْآيَة عَلَيْهِم أَي كونُوا مَعَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله حافظين لحدود الله ثمَّ قَالَ تَعَالَى وَبشر الْمُؤمنِينَ أَي المصدقين بوعد الله لَهُم وَقيل مَعْنَاهُ وَبشر من فعل التَّوْبَة وَسَائِر هَذِه الْأَفْعَال وَإِن لم يكن من الْمُجَاهدين عباد الله فصححوا الْأَعْمَال تلحقوا بِالرِّجَالِ واحذروا الرَّجَاء الْكَاذِب فَإِنَّهُ محَال أترجو أَن تكون من الرِّجَال بقول اَوْ بِفعل أَو بِحَال
[ ١٣٤ ]
وَأَنت من الْمَفَاسِد فِي جَمِيع الْأَوَامِر والنواهي غير خَال وَمن طلب الْوُصُول بِغَيْر سير على نهج فَذَاك من الْمحَال اللَّهُمَّ يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام والعزة الَّتِي لاترام يَا بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيَا من بِيَدِهِ الْقَبْض والبسط نَسْأَلك أَن تتوب علينا وعَلى العاصين وان تجعلنا من عِبَادك الْمُتَّقِينَ وان تجنبنا أَفعَال الْفَاسِقين وَأَن تختم لنا بِخَير وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين
[ ١٣٥ ]