بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الر كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله ﷾ الر قَالَ أَنا الله أرى وَقَالَ سعيد بن جُبَير الر حم ن هُوَ اسْم الله الرَّحْمَن وَقيل الْألف آلاؤه وَاللَّام لطفه وَالرَّاء ربوبيته وَقَوله أحكمت آيَاته أَي لم تنسخ بِكِتَاب كَمَا نسخت الْكتب الَّتِي قبله ثمَّ فصلت أَي بيّنت بِالْأَحْكَامِ والحلال وَالْحرَام وَقَوله تَعَالَى من لدن حَكِيم خَبِير أَي من عِنْد حَكِيم بتدبير الْأَشْيَاء وتقديرها خَبِير بِمَا تؤول إِلَيْهِ عواقبها ألاتعبدوا إِلَّا الله أَي لَا توحدوا وَلَا تطيعوا إِلَّا الله إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير أَي قل يَا مُحَمَّد إِنَّنِي من عِنْد الله نَذِير أنذركم عِقَابه على مَعْصِيَته وَعبادَة الْأَصْنَام وَبشير أبشركم بِثَوَاب الله على طَاعَته وإخلاص عِبَادَته وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أَي اطْلُبُوا من ربكُم مغْفرَة سالف ذنوبكم وتوبوا إِلَيْهِ بِالرُّجُوعِ عَن مُخَالفَته فِي بَقِيَّة أعماركم يمتعكم مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى أَي إِذا استغفرتم ربكُم وتبتم إِلَيْهِ بسط لكم
[ ٩٣ ]
من الأرزاق وَمد لكم فِي الْأَعْمَار إِلَى وَقت الْمَوْت وَهُوَ الْأَجَل الْمُسَمّى وَقيل الْمَتَاع الْحسن هُوَ أَن يرضيهم بِمَا أَعْطَاهُم وَقيل هُوَ استعمالهم بِطَاعَتِهِ وَمَعْرِفَة حَقه فَإِن الله يحب الشَّاكِرِينَ وَأهل الشُّكْر فِي مزِيد من الله تَعَالَى وَذَلِكَ قَضَاؤُهُ الَّذِي قضى وَذَلِكَ يَعْنِي أَنكُمْ أَيهَا الْمُسلمُونَ قد أطعتم ربكُم فِي الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة وَقد أنْجز لكم مَا وعد المستغفرين والتائبين من الْمَتَاع الْحسن فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قد عَفا عَنْكُم فِي أبدانكم ووسع لكم فِي أرزاقكم وأمنكم فِي أوطانكم وأعلاكم على عَدوكُمْ وشرفكم على أهل الْملَل وعصمكم من الرِّدَّة المحبطة للْعَمَل وستركم وجبركم وآواكم ونصركم فاعرفوا لله حق نعْمَته عَلَيْكُم وطالبوا أَنفسكُم بِوَاجِب طَاعَته وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله قَالَ الضَّحَّاك وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله من عمل سَيِّئَة كتيت عَلَيْهِ سَيِّئَة وَمن عمل حَسَنَة كتبت لَهُ عشر حَسَنَات فَإِن عُوقِبَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي كَانَ عَملهَا فِي الدُّنْيَا بقيت لَهُ عشر حَسَنَات فَإِن لم يُعَاقب بهَا فِي الدُّنْيَا أَخذ من الْحَسَنَات الْعشْر وَاحِدَة وَبقيت لَهُ تسع حَسَنَات ثمَّ يَقُول هلك من غلب آحاده عشرات ثمَّ قَالَ تَعَالَى وَإِن توَلّوا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير أَي وَإِن تعرضوا عَمَّا دعوتكم إِلَيْهِ من اخلاص الْعِبَادَة لله وَالِاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير أَي كَبِير هوله وَهُوَ يَوْم الْقَامَة قَالَ مقَاتل إِن لم يتوبوا فِي الدُّنْيَا فحبس الله عَنْهُم الْمَطَر سبع سِنِين حَتَّى أكلُوا الْعِظَام وَالْميتَة وَقيل معنى قَوْله أَخَاف بِمَا يعلم وَإِنَّمَا عبر عَن الْعلم بالخوف لِأَن الْعلم يُوجد الْخَوْف وَأَشد الْعِصْمَة
[ ٩٤ ]
على قدر علم الْمَرْء يعظم خَوفه فَلَا عَالم إِلَّا من الله خَائِف فأمن مكر الله بِاللَّه جَاهِل وخائف مكر الله بِاللَّه عَارِف إِلَى الله مرجعكم وَهُوَ على كل شَيْء قدير وصف لَهُم نَفسه بِالْقُدْرَةِ حَتَّى لَا يعتقدوا بجهلهم عَجزه فيخالفوا أمره قيستوجبوا عِقَابه فأعملهم بقدرته قبل حُلُول نقمته من جملَة بره ولطفه وَقدرته ورأفته فَإِذا كَانَ هَذَا لطفه بأعدائه فَكيف يكون عطفه على أوليائه قَالَ الضَّحَّاك بن قيس ﵁ قَالَ ﷺ يَا أَيهَا النَّاس اخلصوا أَعمالكُم لله فَإِن الله لَا يقبل من الْعَمَل إِلَّا مَا خلص لوجهه وَلَا تَقولُوا هَذَا لله وللرحم فَإِنَّهُ للرحم وَلَيْسَ لله مِنْهُ شَيْء وَلَا تَقولُوا هَذَا لله ووجوههم فَإِنَّهُ لوجوههم وَلَيْسَ لله مِنْهُ شَيْء وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صَارَت أمتِي ثَلَاث فرق فرقة يعْبدُونَ الله خَالِصا وَفرْقَة يعْبدُونَ الله رِيَاء وَفرْقَة يعْبدُونَ الله ليستأكلوا بِهِ النَّاس فَإِذا جمعهم الله قَالَ للَّذي كَانَ يستأكل بِهِ النَّاس بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادي قَالَ بعزتك وجلالك أستأكل بهَا النَّاس قَالَ لم ينفعك شَيْء مِمَّا جمعت انْطَلقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول للَّذي كَانَ يعبده رِيَاء بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالتك أردْت بهَا رِيَاء النَّاس قَالَ لم يصعد إِلَيّ مِنْهُ شَيْء انْطَلقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول للَّذي كَانَ يعبد خَالِصا بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالتك أَنْت أعلم بذلك مني أردْت بهَا وَجهك وذكرك قَالَ صدق عَبدِي انْطَلقُوا بِهِ إِلَى الْجنَّة
[ ٩٥ ]
وَفِي حَدِيث معَاذ ﵁ قَالَ يَا رَسُول الله أوصني قَالَ اخلص دينك يَكْفِيك الْقَلِيل من الْعَمَل وَقَالَ يحيى بن معَاذ كونُوا عباد الله بأفعالكم كَمَا زعمتم أَنكُمْ عبيد الله بأقوالكم وَقَالَ البناجي مَا التنعم إِلَّا فِي الْإِخْلَاص وَلَا قُرَّة الْعين إِلَّا فِي التَّقْوَى وَلَا رَاحَة إِلَّا فِي التَّسْلِيم حدث الْقَوْم عَن حَقِيقَة الْأَمر فصدقوا ونظروا فِي علل الْأَعْمَال فدققوا ونصحوا لنا فِي وصاياهم وعلينا أشفقوا وتأدبوا بِالْعلمِ وَالْعَمَل فَلم أحكموه فضلوا فَإِن تقتدوا بهم تهتدوا وَأَن تسابقوهم تسبقوا أَيْن البطال من الْأَبْطَال مَتى يدْرك الْأَطْفَال مساعي الرِّجَال بلغ الرِّجَال نِهَايَة الآمال فِي سيرهم بالشد والترحال نالوا المنى لما سمت لمناله من عزمهم هم هُنَاكَ عَوَالٍ لم ينكلُوا فِي قصدهم ومسيرهم حَتَّى أناخوا بالجناب العالي هَذَا هُوَ الْأَمر الرشيد ومنتهى المرمى الْبعيد وَغَايَة الآمال
[ ٩٦ ]