إن الإبداع هو الاختراع والابتكار، كما تم بيانه سابقًا، ولكن للإبداع شروطًا وحدودًا في التربية الإسلامية، بأن لا يتعارض مع المنهج الإسلامي، لا في كلياته ولا في جزئياته.
وثمة أمر مهمّ لا يجوز الابتداع فيه بأي حال من الأحوال، وبأي دعوة أو ادعاء، وهو الابتداع في الدين، لأن الله تعالى أكمل هذا الدين بنص كلام رب العالمين في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ ١.
وقال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ماليس فيه فهو رد" ٢.وقال ﷺ: "وكل بدعة ضلالة" ٣.
فالإحداث في الدين بزيادة أو تعديل أو نقصان ابتداعًا مخالفًا للكتاب والسنة، وإجماع الأمة، كما أن تقديم الرأي على الشرع إفساد وهلكة، قال ابن قيم الجوزية: "وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم إنما ينشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه"٤.
فهكذا تحدد التربية الإسلامية الإطار الإبداعي، بحيث تجعله يسير في مسار صحيح، بعيدًا عن التخبط في متاهات طرق أهل الضلال والبدع.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: آية رقم ٣. ٢ أبو داود ٥/١٢. ٣ مسلم ٢/٥٩٢. ٤ ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين ١/٦٨.
[ ٤٣١ ]
وأما الإبداع في المجالات الأخرى فهو أمر مطلوب، بل متحتم على المؤسسات التربوية أن توليه جُلَّ اهتمامها، من جانبين:
١- الجانب النوعي:
والمقصود بالجانب النوعي: التوسع في قاعدة العلوم المعرفية في الطب والهندسة والحاسبات والصيدلة والفيزياء، ونحو ذلك، بما يحقق للأمة قوى بشرية مبدعة في تخصصاتها، وفق نظرة شمولية، ذات تطلعات مستقبلية، وبما لا يجعلها تركز على ما تحتاجه اليوم غافلة عن حاجاتها ليوم غدها.
فالدراسات المسحية تشير إلى أن مدخلات التعليم منصبة على الدراسات النظرية، دون التخصصات الأخرى، فقد بلغت نسبة التخصصات النظرية عام ١٩٨٥م (٧٥%) في حين أنها بلغت (٢٥%) فقط في التخصصات الأخرى١. كما أظهرت الإحصائيات لسنوات مختارة (١٤٠٠، ١٤٠٥، ١٤١٠،١٤١٥؟) أن متوسط نسبة خريجي التعليم العالي من الدراسات النظرية بلغت (٧٩،٩%) ٢. أي أن (٢٠،١%) في التخصصات المعملية التجريبية.
_________________
(١) ١ علي عبد الرزاق إبراهيم، التعليم الجامعي وظاهرة البطالة بين خريجي الجامعات، المجلة العربية للتعليم العالي، العدد الأول: شعبان ١٤١٦؟ المنظمة العربية والثقافة والعلوم، ص ٥٣. ٢ علي بن سعد الهزاع القرني، التعليم في المملكة العربية السعودية، انجازات وتحديات، مؤتمر المملكة العربية السعودية في مائة عام، الأمانة العامة للاحتفال، الرياض ٧-١١ شوال ١٤٢٠؟ ص ٣٢-٣٣.
[ ٤٣٢ ]
فهذه الحدود الكمية قد تجعل عجزًا يواجه الأمة حاليًا ومستقبلًا، وتقلل من نسبة الإبداع المعرفي في الجوانب الأخرى، لأن مقتضى التجربة والحكمة يؤكد أنه ليس كل من التحق بتخصص سيبدع فيه، كما أن قلة الملتحقين سيؤدي إلى قلة المبدعين، لذلك لا بد أن تعي المؤسسات التربوية الحدود الكمية وأثرها على النسبة النوعية للإبداع في كل تخصص أو فن.
٢- الجانب الخُلُقي:
يعتبر الجانب الخُلُقي أسًّا وركيزة لا غنى عنهما في الجانب الإبداعي، حتى تأخذ بأيدي المتفوقين فيما يتفتق عن أذهانهم وخبراتهم نحو الخير والبناء والإصلاح، لأن واقع الإبداع يشير إلى أن المتفوقين الذين فقدوا الجانب الأخلاقي، كانوا دمارًا على المجتمعات بما أنتجوا من ابتكارات، فمخترع القنبلة الذرية رجل مبدع لا شك في ذلك، ولكن فقدان الجانب الأخلاقي جعله يسخر ذهنه في ابتكار ما يدمر به البشرية. وما نتج عن الهندسة الوراثية من التوصل لما يسمى بالاستنساخ البشري ما هو إلا نتيجة جنوح إبداعي غير أخلاقي.
ويشير إلى هذه المخاطر أحد المتخصصين في الدراسات الكيميائية: بأن طلب الحقيقة غير المرتبط بالالتزامات الشرعية يمكن أن يؤدي إلى هلاك البشرية، فهناك ميادين متزايدة في العلوم توضح صحة هذا الكلام، وميدان هندسة الوراثة واحد من هذه الميادين، فالقدرة على معالجة الجنس البشري بحيث يكون نسله ذرية من العمال أو الجنود العباقرة له عواقب مخيفة، والقدرة على استخدام الطاقة الذرية للتخريب اتضحت معالمها في (هيروشيما،
[ ٤٣٣ ]
ونجازاكي) والأبحاث في ميادين غازات الأعصاب والميكروبات المميتة قد تطورت الآن إلى مبيدات للبشرية، وقد استخدم الكثير منها في (فيتنام) .
ويظهر الآن ميدان من ميادين الكيمياء الانفعالية التي قد تؤدي في النهاية إلى السيطرة على الإرادة البشرية، بواسطة مركبات كيميائية مختلفة. والعلماء الذين يطورون مثل هذه يلعبون دورًا حاسمًا في تسخير إبداعهم نحو تدمير البشرية١.
والشعر نوع من الإبداع الأدبي لأنه ابتكار صياغات لفظية تحمل صورًا بلاغية مؤثرة، فإذا جاءت من مبدعٍ لا أخلاقي أثار بكلماته وصوره الخيالية ومحسناته البديعية المستمع أو القارئ إلى ما تدعو إليه القصيدة من انحراف عقدي، أو فكري، أو جنسي، أو غير ذلك.
لذا فإنه يتعين تحصين الإبداع في حدود ما ينفع البشرية، وفي ظل الضوابط الشرعية، وهذا ما يحتم على الجهات التعليمية إيلاء هذا الجانب غاية اهتمامها التربوي، وإلا أنتجت من لا يقيم وزنًا لمعايير الإبداع وحدوده.
والتربية الإسلامية هي التي تكفل لأتباعها أن يسخروا إبداعهم وفق الضوابط الخُلُقية الشرعية، لأنها أولت ذلك عناية كبيرة، بما يربي في المسلم النظر إلى أبعاد إنتاجه الإبداعي، في سلبياته وإيجابياته، لأنه محاسب ومجزي على ذلك، فإن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ
_________________
(١) ١ عطاء الرحمن، التربية العلمية في الدول الإسلامية، سلسلة التعليم الإسلامي، العلوم الطبيعية والاجتماعية، ص ٢٤٠.
[ ٤٣٤ ]
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ١. وفي أدوات التعلم والمسؤولية عنها قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٢. وقال ﷺ في ثمرة عمل الإنسان: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أُجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ٣.
قال الإمام النووي: وفيه الحث على الابتداء بالخيرات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات٤.
_________________
(١) ١ سورة الزلزلة: آية رقم ٧-٨. ٢ سورة الإسراء: آية رقم ٣٦. ٣ مسلم ٢/٧٠٥ برقم ٦٩-١٠١٧. ٤ النووي، صحيح مسلم بشرح النووي ٧/١٠٤.
[ ٤٣٥ ]