المقصود بمعوقات الإبداع، تلك العقبات التي تمنع الإنسان وتثبطه عن تطوير وتحسين مجال تخصصه والتفوق فيه.
والمعوقات الإبداعية كثيرة جدا، ولكن من أبرزها ما يلي:
١ - قلة العلم أو عدم صحته:
إن قلة العلم، أو عدم صحته تشكل أكبر عائق يعيق الإنسان عن الإبداع والتفوق والتطوير، لأن قلة العلم تدلل على علو الجهل البسيط، الذي هو:" انتفاء إدراك الشيء"١. وعدم الإدراك للمعلومة يشكل العائق الأكبر للإبداع والتطوير، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وشتان ما بين العالم والجاهل، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٢.
وأما إدراك المعلومة على غير وجهها الصحيح، فهو شر من الجهل البسيط، لأن صاحبه لديه جهل مركب، وهو: "اعتقاد جازم غير مطابق للواقع"٣. فصاحب هذا النوع ينتفي منه الإبداع، لأنه أدرك المعلومة على غير حقيقتها، فكيف يولد منها حقيقة علمية؟ ولذلك فإن "التعلم من أهم وسائل نمو الخصائص العقلية، وبلوغ النضج العقلي، وصقل وتزكية القدرات، والملكات والمواهب والميول والهوايات، وبدونه يظل عقل الإنسان قاصرًا،
_________________
(١) ١ الفتوحي، شرح الكوكب المنير، ص ٢٣. ٢ سورة الزمر: آية رقم ٩. ٣ الجرجاني، التعريفات، ص ٨٠.
[ ٤٣٦ ]
معطلًا، غير قادر على العطاء والإنتاج"١ والناس متباينون في نفس عقلهم الأشياء من بين كامل وناقص، وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير، وجليل ودقيق، وغير ذلك٢.
٢ - الاعتماد على الآخرين:
ويكون هذا الاعتماد في الإنتاج، وإيجاد الحلول، وفي التنظيم، والتخطيط وإعداد البرامج، سواء كان في مجال التربية والتعليم أو في مجال الإدارة، أو في البحث العلمي، أو في الصناعة، أو التجارة، أو في أي مجال آخر من المجالات.
والمنهج الإسلامي يربي في أتباعه أن يوطنوا لأنفسهم، قال ﷺ: "لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤا فلا تظلموا" ٣.
وهذا يتطلب من المرء المسلم أن يكون ذا بصيرة، غير مقلد للناس في الجهل والسلوك الذي لا يحقق نفعا. وليس معنى هذا أن ينأى الفرد بنفسه عن الآخرين، ولكن لا يكن فردًا اتكاليًا على غيره، ينتظر منهم أن يقدموا له الحلول والإنتاج، بل أن يكون
_________________
(١) ١ عبد الحميد الصيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، ص ٤٥١. ٢ ابن تيمية، الفتاوى ٩/٣٠٩. ٣ الترمذي ٤/٤/٣٢٠ برقم ٢٠٠٧، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقال الألباني: ضعيف، ضعيف الجامع الصغير وزياداته، ص ٩٠٥.
[ ٤٣٧ ]
عضوًا فاعلًا إيجابيًا، يجتهد ويعمل، ويفكر ويسترشد بمن هم أكثر منه علمًا وتجربة.
٣ - الاكتفاء بالمتاح مع إمكانية إيجاد الأفضل:
مما يعيق عملية الإبداع الاكتفاء بالأشياء المتاحة فقط، دون البحث والتنقيب عن الأفضل، إذا كانت الفرصة متوفرة لإيجاد البديل الأحسن.
مثال ذلك أن يكتفي طالب العلم بقول معين في مسألة من المسائل، دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن الدليل وصحته، وخلوه من المعارض، والقول الأرجح في المسألة.
وقد يكتفي الباحث بما توصل إليه الآخرون في مجال الطب أو الصيدلة مثلًا، فلا يكلف نفسه البحث عن الأحسن، وتطوير المتاح. ولو توقف الناس على ما ألفوه مما يسوغ البحث فيه، لما وصل العالم إلى ما وصل إليه من تقدم في كثير من المجالات. والمسلم أولى بالسبق والقيادة والريادة، لأن أمته أمة رائدة.
٤ - عدم الإتقان:
مما يعوق الإبداع أن يكتفي الإنسان بالحد الأدنى من المستوى الإنتاجي دون الوصول إلى أعلى درجات الإتقان والإبداع التي يستطيع أن يصل إليها، في حين أن الإسلام حث الإنسان على إتقان العمل.
والتربية الإسلامية تدعو إلى الأفضل والأحسن في كل ما فيه نفع الفرد أو المجتمع، فالإنسان مأجور – بإذن الله تعالى - على جهده المعرفي في سائر العلوم النافعة، يقول الشيخ ابن سعدي:"فعلوم الكون التي تسمى العلوم
[ ٤٣٨ ]
العصرية، وأعمالها، وأنواع المخترعات النافعة للناس في أمور دينهم ودنياهم، داخلة في ما أمر الله تعالى به ورسوله ﷺ، ومما يحبه الله ورسوله"١.
فالجهد العلمي في البحث عن الأفضل في الأمور التي تحتاجها الأمة، وينتفع بها الناس، يثاب صاحبها على ذلك إذا أخلص النية لله تعالى.
فالتربية الإسلامية تشجع على بذل الجهد المعرفي المبدع المفيد البناء.
٥ - الانشغال بملذات الدنيا:
إن الانشغال بملذات الدنيا ومطالب الجسد، وشهوات النفس، يكون موبقًا بين الإنسان والإبداع، ويغلق آفاق المبدعين ويوصدها، ويجعلها محجورة بين أقواس الشهوات، لا يفكر في الإنتاج المثمر فضلًا عن الإبداع في ذلك، لأن انشغال النفس بالملذات يجعلها كلما أصابت لذة، تاقت لما بعدها، فينتهي العمر، ولم يحز المرء على كل رغباته الدنيوية، إضافة إلى أن الترف يقود إلى حب الاسترخاء والتمادي فيه، والبعد عن الجدية في البحث والمطالعة والمدارسة، قال عمر بن الخطاب – ﵁: "إياكم والتنعم، وزي العجم، وتمعددوا، واخشوشنوا"٢.
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن السعدي، القواعد والأصول الجامعة، ص ٩. ٢ علي بن الجعد المسند ١/٥١٧ برقم ١٠٣٠، وحلية طالب العلم، لأبي بكر أبو زيد، ص ١٤.
[ ٤٣٩ ]
لذلك ينبغي البعد عن ترف الحضارة، فإنه يؤنث الطباع، ويرخي الأعصاب، ويقيدك بخيط الأوهام، فيصل المجدون لغايتهم، والمشغول بزيفها لم يبرح مكانه١.
وليس المقصود هجر الطيبات، ولكن الاسترسال في الملذات، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ٢.
٦ - عدم التشجيع:
إن التشجيع له دور كبير في ابراز أصحاب المواهب، كما أن عدم التشجيع يثبط الهمم، خاصة إذا صاحب ذلك التهوين من قدر الإنسان "والإسلام شجع الأفراد للاستفادة من إمكاناتهم وقدراتهم العملية في بناء الحضارة وعمارة الأرض على أساس من التعاون على البر والتقوى، ونبذ الحسد والتباغض"٣ الذي قد يكون أحد أسباب عدم التشجيع.
وقد يرجع أسباب عدم التشجيع إلى يأس المعلمين والأسرة من أن يلحقوا بركاب التقدم التقني أو الزراعي أو التجاري أو الصحي أو التعليمي أو غير ذلك من الجوانب التي تأخرت فيها الأمة، وقد يكون سبب عدم التشجيع الجهل بعدم أهميته في كشف المواهب.
_________________
(١) ١ بكر أبو زيد، حلية العلم، ص ١٤. ٢ سورة القصص: آية رقم ٧٧. ٣ عباس محجوب، أصول الفكر التربوي في الإسلام، ص ٢٠٨.
[ ٤٤٠ ]
والدراسات التربوية تثبت أهمية التشجيع في صقل المواهب، وخطورة قهر الأفراد على اختيارات لا يرضونها" لأن الإنسان لا يركز انتباهه أو يعمل فكره، ويضاعف جهده إلا فيما يميل إليه، ويشعر بانجذاب شديد إلى ممارسته١.
ومنهج التربية الإسلامية يقوم على التشجيع للخير، والتحذير من الشر والباطل، وآيات الترغيب والترهيب كثيرة في القرآن الكريم، وفي نصوص السنة النبوية، التي ترغب في الخير وتحذر من الشر والفساد وإضاعة الأوقات فيما لا فائدة فيه، قال ﷺ: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه"٢.
ولما أن الإنسان مفطور على حب الخير لنفسه، وكره الشر والشقاء، فإنه يندفع في استجابة للمؤثرات الترغيبية والترهيبية، بشكل قوي، حيث إن الترغيب والترهيب أمران يقومان على الخوف والرجاء٣.
٧ - عدم رعاية الموهوبين:
إن التشجيع هو حث الأفراد على بذل أقصى الجهد فيما يقومون به من أنشطة، ولا يختص ذلك بشخص دون آخر. وأما رعاية الموهوبين، فهي بذل رعاية خاصة بمن تميزوا بين زملائهم، وتهيئة الجو العلمي الذي يساعدهم على تنمية طاقاتهم الإبداعية في مجال تخصصاتهم.
_________________
(١) ١ عبد الحميد صيد الزنتاني، أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، ص ٥٣٧. ٢ الترمذي ٤/٥٢٩ برقم ٢٤١٧. ٣ خالد الحازمي، المشكلات التربوية الأسرية وأساليبها العلاجية، ص ٥٩.
[ ٤٤١ ]
وأما عدم العناية بالموهوبين ورعايتهم فإنه يؤدي إلى وأد طاقاتهم، وربما أدى إلى نزوحهم إلى المجتمعات الغربية، وهو ما يسمى بهجرة العقول البشرية، فقد قرر أحد البحوث أن عدد الأطباء في العاصمة الأمريكية من إحدى الجنسيات العربية يفوق عدد زملائهم في ذلك القطر العربي. وفي المجالات العلمية النادرة هناك ٩٥٠ عالمًا من أحد المجتمعات العربية يعز الحصول عليهم لدولة واحدة على مدى عشر سنوات، يعيشون في الخارج١فعدم التشجيع والعناية بأصحاب المواهب قد يؤدي إلى هجرة المبدعين عن الأوطان الإسلامية.
ومنهج التربية الإسلامية يؤكد أهمية إسدال الخير إلى الناس والعناية بشئونهم، فكيف إذا كان إسدال الخير إلى فئة يتوخى منها الخير للأمة، والإسهام في رفع مكانتها وشأنها؟
فلا شك أن ذلك أدعى في إسدال الخير إليهم، فقد قال ﷺ: "أحب الناس إلى الله أنفعهم" ٢. وقال ﷺ: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" ٣.
ورعاية الموهوبين تكون بالتشجيع والمكافأة، وبالرعاية الخاصة، وتوفير سبل التعلم المتقدمة، وتوفير المعامل، والكتب والأدوات العلمية، والمدرسين الأكفاء، وكفايتهم مؤنة المعيشة، وما يحتاجونه من أمور الحياة، إضافة إلى
_________________
(١) ١ زكي محمد إسماعيل، الإبداع والبناء الثقافي والاجتماعي، ص ٣٩. ٢ صحيح الجامع الصغير، الألباني ١/٩٧، برقم ١٧٦-٦٩. ٣ مسلم ٤/١٧٢٦ برقم ٦١-٢١٩٩.
[ ٤٤٢ ]
التوجيه التربوي البناء، والبناء الخُلُقي والديني، فهو الذي يضبط سلوكهم ويوجه نبوغهم إلى الخير والصلاح.
[ ٤٤٣ ]