يورد علماء المسلمين منهم الزرنوجي والعلموي والأصفهاني في "الذريعة إلى أحكام الشريعة "ص١٤٩": عدة آداب يجب أن يتحلى بها المتعلم من أهمها:
١- أن يطهر نفسه من رديء الأخلاق كما تطهر الأرض للبذر من خبائث النبات لأن الطاهر لا يسكن إلا بيتا طاهرا. ويعتبر الزرنوجي الأخلاق الذميمة كلابا معنوية أي مؤذية. وعلى المتعلم أن يحذر منها. كما ينبغي عليه أن يبتعد عن الكسل لأنه شؤم وآفة عظيمة. وقد قال الشاعر:
فلم أر لكسالى الحظ يعطي سوى ندم وحرمان الأماني
٢- أن يقلل من الاشتغال الأعمال الدنيوية ما دام يدرس ليتوفر فراغه على العلوم الحقيقية. أي يتفرع للعلم والاجتهاد في تحصيله بما لا يصرفه عنه. وقد قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ . وأن يغتنم للتحصيل وقت الفراغ والنشاط وحال الشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة.
٣- ألا يتكبر على معلمه وأن يعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر،
[ ٢١٧ ]
وتعظيم حرمته مثوبة، والتشمير في خدمته شرف. قال ﷺ: "تعلموا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تأخذونه منه". وأخذ ابن عباس ﵄ مع جلالته وميزته بركات زيد بن ثابت ﵁، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، ويقال إن الشافعي ﵀ عوتب على تواضعه للعلماء فقال:
أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وعلى المتعلم أيضا إذا وجد معلما أن يأتمر له ولا يتآمر عليه، ولا يراده فيما ليس بصدده تعلمه ولم يبلغ منزلة معرفته بعد.
٤- ألا يتكبر على العلم. فالعلم خراب للمتعالي كالسيل خراب للمكان العالي ولهذا قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإن أعطيته كلك فإنك من إعطائه إياك بعضه على خطر.
٥- يقول الزرنوجي ليس لصحيح البدن والعقل عذر في ترك العلم والتفقه. وإذا كان عذر المرء هو الفقر فلن يكون أفقر من أبي يوسف رحمه الله تعالى لم يمنعه من التفقه والعلم ومن كان له مال كثير فنعم المال الصالح للرجل الصالح المنصرف في طريق العلم.
٦- يقول الزرنوجي: من الورع في العلم أن يجترز طالب العلم عن الشبع لأن البطنة تذهب الفطنة. كما يحذر من كثرة النوم وكثرة الكلام فيما لا ينفع وأن يتحرز عن أكل السوق إن أمكن لأن طعام
السوق أقرب للنجاسة والخباثة. وأبعد عن ذكر الله وأقرب إلى الغفلة. ولأن أبصار الفقراء تقع عليه، ولا يقدرون على الشراء منه. فيتأذون بذلك فتذهب بركته. وحكى أن الشيخ الإمام الجليل محمد بن الفضل ﵀ كان في حال تعلمه لا يأكل من طعام السوق. وكان أبوه يسكن في "الرستاق" وهو موضع فيه بيوت مجتمعة أو قرى ويهيئ إليه طعامه ويدخل إليه يوم الجمعة فرأى في بيت ابنه خبز السوق يوما. فلم يكلمه ساخطا عليه فاعتذر ابنه وقال: ما اشتريته أنا ولم أرض به. ولكن أحضره شريكي. فقال له أبوه: لو كنت تحتاط وتتورع عن مثله لم يجترئ شريكك على ذلك. ويبدو أن تطبيق ذلك
[ ٢١٨ ]
صعب في عصرنا الراهن لتزايد اعتماد حياة سكان المدينة على المطاعم والمخابز والأكلات المعدة أو الجاهزة. ولكن ما زال الكلام يصدق على محلات الأكل غير النظيفة والمشبوهة والباعة الجائلين أو المتنقلين.
٧- لا بد لطالب العلم من الهمة العالية في العلم، فإن المرء يطير بهمته كالطير يطير بجناحيه. وقد قال الشاعر:
إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
ولا بد لطالب العلم من سهر الليالي. فمن طلب العلا سهر الليالي كما يقول الشاعر. ومن مأثور الحكم اتخذ الليل جملا تدرك به أملا. وقال الشاعر في هذا المعنى:
من شاء أن يحتوي آماله جملا فليتخذ ليله في دركها جملا
أقلل من طعامك كي تحظى به سهرا إن شئت يا صاحبي أن تبلغ الكملا
٨- يقول الزرنوجي "ص٣٨": لا بد لطالب العلم من المذاكرة والمناظرة والمطارحة. فإن المناظرة والمذاكرة مشاورة، والمشاورة إنما تكون لاستخراج الصواب. وفائدة المطارحة والمناظرة أقوى من فائدة مجرد التكرار. ومثل مطارحة ساعة خير من تكرار شهر إذا كانت المطارحة مع منصف سليم الطبع. ويحذر المتعلم من المذاكرة مع متعنت غير مستقيم الطبع. فإن الطبيعة متسربة والأخلاق متعدية والمجاورة مؤثرة. أي أن التعنت ينتقل إلى المتعلم ويعديه. وقد تفقه أبو حنيفة بكثرة المطارحة والمذاكرة في دكانه حين كان يزازا "أي بائع ثياب". ومن هنا تعلم أن تحصيل العلم قد يجتمع مع كسب العيش. وكان أبو حفص الكبير ﵀ يكتسب الرزق ويحصل العلوم. فإن كان لا بد لطالب العلم من الكسب لمعيشة عياله أو غيرهم فليكتسب وليذاكر ويتعلم ولا يكسل. وهناك أمثلة كثيرة لأناس عصاميين شقوا طريقهم في الحياة وهو يكسبون عيشهم ويحصلون تعليمهم في وقت واحد. ومن فوائد المصارحة والمناظرة الأخذ والعطاء. وقد سئل أبو يوسف ﵀ بم أدركت العلم؟ قال: ما استنكفت من الاستفادة وما بخلت بالإفادة.
[ ٢١٩ ]
٩- وينبغي لطالب العلم أن يكون متأملا في جميع الأوقات في دقائق العلوم ويعتاد ذلك فإنما تدرك الدقائق بالتأمل. ولهذا قيل: تأمل تدرك. ولا بد من التأمل والتفكير قبل الكلام حتى يكون صوابا. فإن الكلام كالسهم فلا بد من تقويمه بالتأمل قبل الكلام حتى يكون مصيبا. وقيل رأس العقل أن يكون الكلام بالتثبت والتأمل.
١٠- على طالب العلم إذا مل من علم أن يشتغل بعلم آخر. وكان ابن عباس ﵁ إذا مل من الكلام يقول: هاتوا ديوان الشعر. وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل وكان يضع عنده الدفاتر. وكان إذا مل من نوع ينظر في نوع آخر. وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء. وكان يقول: إن النوم من الحرارة فلا بد من دفعه بالماء البارد كما أشرنا.
١١- ينبغي أن يكون طالب العلم مستفيدا في كل وقت حتى يحصل له العقل بطريقة الاستفادة أن يكون معه في كل وقت قلمه وكشكوله حتى يكتب ما يسمع من الفوائد العلمية. وينبغي عليه أن يأخذ العلم من أفواه الرجال لأنهم يحفظون أحسن ما يسمعون ويقولون أحسن ما يحفظون.
١٢- يقول الزرنوجي "ص٢٥": وينبغي لطالب العلم ألا يختار نوع العلم بنفسه بل يفوض أمره إلى الأستاذ فإن الأستاذ قد حصلت له التجارب في ذلك فكان أعرف بما ينبغي لكل أحد وما يليق بطبيعته. ويقول أيضا "كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوضون أمرهم في التعليم إلى أستاذهم فكانوا يصلون إلى مقاصدهم ومرادهم. والآن يختارون بأنفسهم فلا يحصل مقصودهم من العلم والفقه. وهذه نظرة ثاقبة من الزرنوجي سبق بها ما تنادي به التربية الحديثة وهو ما سبق أن أشرنا إليه.
١٣- ألا يشتغل بتعلم الاختلافات المشكلة والشبه الملتبسة في تحصيله للعلم ما لم يتهذب في قوانين ما هو بصدده حتى لا تتولد له شبهة تصرفه عن التوجه فيؤدي ذلك إلى الارتداد عن تحصيل العلم.
١٤- أن يعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه قبل حفظه تصحيحا متقنا على شيخه أو غيره ممن يكون أهلا لذلك، ثم يكرر عليه بعد حفظه تكرارا جيدا.
[ ٢٢٠ ]
ومنها أن يذاكر محفوظاته ويديم الفكر فيها ويعتني بما يحصل فيها من الفوائد.
١٥- أن يحسن تقسيمه لأوقات ليله ونهاره واغتنام ما بقي من عمره. ويقول العلموي: "إن أجود الأوقات للحفظ والأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل. وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات. ومنها أن يبكر بدرسه لخبر: "بورك لأمتي في بكورها". ويجعل ذلك "البكور" يوم الخميس. وفي رواية "بورك لأمتي في بكورها يوم سبتها وخميسها". وجاء في الخبر أنه ﷺ قال: "اطلبوا العلم يوم الاثنين فإنه ييسر لطالبيه". ورأيت كثيرا من مشايخنا يتحرون الابتداء من يوم الأحد، فينبغي مزيد الاعتناء بهذه الأيام وهذه الأوقات إلا تجري عادة الشيخ بغير ما ذكر، فلا يعترض عليه. ويقول الزرنوجي: أفضل أوقات التحصيل شرخ الشباب ووقت السحر وما بين العشاءين. كما يقول أيضا لا بد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك.
١٦- في آداب المتعلم مع الكتب وهي أداة العلم يقول العلموي: "ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها في العلوم النافعة ما أمكنه شراء أو إجارة أو عارية، لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلها وجمعها وكثرتها حظه من العلم، ونصيبه من الفهم وقد أحسن القائل:
إذا لم تكن حافظا واعيا فجمعك للكتب لا ينفع
[ ٢٢١ ]