التعليم في الإسلام فرض واجب وليس مجرد حق:
لقد ذهب الإسلام إلى أبعد مما نصت عليه دساتير الدول والمواثيق الدولية وميثاق حقوق الإنسان الذي اعتبر التعليم حقا لكل فرد تكفله له الدولة وتوفره. والإسلام يعتبر التعليم ليس مجرد حق وإنما هو فرض واجب وفرض عين على كل مسلم ومسلمة. والفرق كبير لأن كون التعليم حقا يعني أن يناله الإنسان أو لا يناله. فما أكثر الحقوق الضائعة. بل إنه إذا ناله الإنسان فإنه قد يعمل في سبيل تحصيله أو لا يعمل. وأما كونه واجبا وفرض عين فهذا يعني المسئولية الكاملة لكل من الدولة والفرد. فعلى الدولة أن توفره لأبنائها وعلى الفرد أن يعمل من أجل تحصيله والاستفادة منه. يضاف إلى ذلك أن الدولة لو قصرت أو
[ ٩٦ ]
تقاعست في تقديم التعليم وتوفيره لأبنائها فعلى المسلمين المقتدرين إنشاء المدارس والإنفاق عليها وإيقاف بعض أموالهم لهذا الغرض. كما أن على الفرد المسلم أن يسعى بكل طاقته في تعليم نفسه بالجهد الذاتي وبكل الطرق الممكنة له. قال الشاعر:
ولما رأيت سواد قو مي في دجى ليل بهيم
يسقون من أمية هي غصة الوطن الكظيم
أيقنت أن الجهل علة كل مجتمع سقيم
وروى عن عمر بن الخطاب إنشاده:
تعلم فليس المرء يولد عالما وليس أخو علم كمن هو جاهل
وقال الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النسب
إن الغني من يقول ها أنذا ليس الغني من يقول كان أبي
وقد ميز علماء المسلمين بين تعليم فرض العين وهو على كل مسلم وتعليم فرض الكفاية وهو على مجموعات من الناس دون غيرهم. وتعليم فرض العين هو التعليم الواجب على الدولة أن توفره لأبنائها كما أنه من الواجب على هؤلاء الأبناء أن يتعلموا وأن يستفيدوا من التعليم الذي يقدم لهم وأن يحرصوا على تعليمه ولا يتهاونوا فيه وإلا كانوا مقصرين في أداء فرائض الواجب. ومن مسئولية الآباء التأكد من أن أبناءهم يتلقون هذ التعليم. وهذا النوع من التعليم يعرف الآن في أنظمتنا التعليمية العربية والإسلامية وغيرها بالتعليم العام. وهو يتاح لكل فرد في سن التعليم تقدمه الدولة بالمجان وتضع له الشروط والأنظمة أما تعليم فرض الكفاية فهو تعليم لا يطالب به كل مسلم وإنما تقوم به مجموعة
[ ٩٧ ]
قادرة لتكفي المسلمين حاجتهم إلى المهن والصنائع والحرف المختلفة. وهذا النوع من التعليم هو للقادرين عليه والمهيئين له عملا بما ورد في الأثر "كل مهيأ لما خلق له" ويتساوى حظ المرأة مع حظ الرجل في تعليم فرض العين وفرض الكفاية لأنها تتساوى معه في التكاليف الشرعية وفي موازين الحساب يوم القيامة.
وهكذا نرى أن الإسلام قد سن مبدأ إلزامية التعليم ووجوبه على كل مسلم بل جعله فرضا وفريضة. كما سن مبدأ مجانية التعليم العام وقيام الدولة بتوفيره. ومن المعروف أن المدارس ومعاهد التعليم الإسلامية في العصور المختلفة كانت بالمجان وكان الطلاب يمنحون المسكن والإقامة والإعانة المالية وتوفير الكتب والغذاء لهم. وبهذا يكون الإسلام سابقا بقرون عديدة كل ما جاء على البشرية من أنظمة تعليمية عصرية ومتقدمة في النظرية التربوية أو تطبيقاتها.
[ ٩٨ ]