كان من الطبيعي أن يرفض علماء المسلمين نظريات التطور التي شاعت في الغرب، والتي سبق أن أشرنا إليها عند "لامارك" و"داروين" و"سبنسر". من هؤلاء العلماء إبراهيم الحوراني في كتابه "مناهج الحكماء في النشوء والارتقاء" و"الحق اليقين في الرد على بطل دارون". ومنهم أبو الأعلى الموردي في كتابه "الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة". ويعتبر جمال الدين الأفغاني من أبرز علماء المسلمين في الرد على نظريات التطور، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق. وقد ضمن رده في رسالته الصغيرة الحجم العظيمة القدر المعنونة باسم "الرد على الدهريين". وفي رده على "داروين" يقول: لو عرضت على دارون الحيوانات المختلفة البنى، والصور والقوى والخواص وهي تعيش في منطقة واحدة، ماذا تكون حجته في علة اختلافها؟ وإن قيل لداروين هذه أسماك بحيرة "أورال" وبحر "كسين" مع تشاركها في المأكل والمشرب
[ ١١٧ ]
وتسابقها في ميدان واحد ترى فيها اختلافا نوعيا، وتباينا بعيدا في الأشكال والألوان والأعمال. فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ وإن سئل دارون عن الأشجار القائمة على غابات الهند والنباتات المتولدة فيها من أزمان بعيدة لا يحددها التاريخ إلا ظنا. وأصولها تضرب في بقعة واحدة، وفروعها تذهب في هواء واحد، وعروقها تسقى بماء واحد. فما السبب في اختلاف كل منها عن الأخر في بنيته وشكل أوراقه وطوله وقصره وضخامته وزهره وثمره وطعمه ورائحته وعمره. فأي فاعل خارجي أثر فيها حتى خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظن لا سبيل إلى الجواب سوى المعجز عنه "جمال الدين الأفغاني: ٤٢-٤٣".
ويشير الأفغاني إلى فكرة أخرى لدارون فيقول: ومن واهياته، أي داروين ما كان يرويه من أن جماعة كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما واظبوا على عملهم هذا قرونا، صارت الكلاب تولد بلا أذناب، كأنه يقول حيث لم تعد للذنب حاجة كفت "أي توقفت" الطبيعة عن هبته "أي إعطائه". ويرد الأفغاني على ذلك بقوله: وهل صمت أذن هذا المسكين عن سماع خبر العبرانيين والعرب وما يجرونه من الختان ألوفا من السنين، ولا يولد مولود حتى يختن. وإلى الآن لم يولد واحد منهم مختونا إلا لإعجاز "المرجع السابق: ٤٤-٤٥".
[ ١١٨ ]