إن أي تحديد لأهداف التربية ومضمونها لا بد أن يتعرض بالضرورة منذ البداية إلى السبب الذي نحيا من أجله، ولماذا خلقنا في هذا العالم؟ وما الهدف من وجودنا في هذه الدنيا؟ هل نحن نعيش لنأكل أم نأكل لنعيش؟ وما هو نوع الحياة التي ننشدها؟ ولا شك في أن الإجابة عن هذه الأسئلة تختلف باختلاف المنطلقات الإنسانية والفلسفية والدينية والاجتماعية. ويهمنا هنا المنظور الإسلامي.
يذكر الراغب الأصفهاني في كتابه "الذريعة إلى مكارم الشريعة" ثلاثة أسباب أو مقاصد خلق من أجلها الإنسان لتحقيق رسالته في الحياة على وجه الأرض هي:
١- عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالى ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ لتحصيل المعاش
[ ٥٣ ]
لنفسه ولغيره.
٢- عبادة المولى ﷿ المذكورة في قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ والعبادة هنا تعني كل أفعال الإنسان وتصرفاته في الحياة تجاه الله والآخرين والامتثال لما أمر به الشرع في كل أمور الحياة.
٣- خلافته في الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ وغيرها من الآيات، وقوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ويستحق الإنسان الخلافة بتحري مكارم الشريعة بطهارة النفس والحكمة والعفة والصبر والعدل والإحسان وحسن سياسة نفسه وبدنه وما يختص به وحسن سياسة غيره من دونه وأهل بلده. ولا يصلح لسياسة غيره من لا يصلح لسياسة نفسه. ولهذا ذم الله تعالى من ترشح لسياسة غيره فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وهو غير مهذب في نفسه فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ .
هذه المقاصد الثلاثة التي يحددها الأصفهاني لخلق الإنسان تحدد أهداف تربية الإنسان في الإسلام لتهيئته لما خلق له.
إن قيمة الإنسان في هذا الكون ومنزلته فيه كبيرة وعالية دون سائر الكائنات. فالإنسان سيد هذا الكون. وكل منا خلق فيه لأجله ومسخر لمنفعته وخدمته. وهذا تكريم من الله ﷾ للإنسان خليفته على هذه الأرض، وقد أوجد الله تعالى كل ما في العالم من أجل الإنسان ومن أجل نفعه وخدمته وراحته.
وقد خلق الله الإنسان من بين سائر الكائنات خلقة تؤهله للدارين: الدنيا والآخرة. وفي تفسير ذلك يقول الراغب الأصفهاني في تفصيل النشأتين "ص٩٠": إن الله تعالى قد أوجد ثلاثة أنواع من الأحياء: نوعا لدار الدنيا وهو الحيوانات ونوعا لدار الآخرة وهو الملأ الأعلى "الملائكة"، ونوعا للدارين وهو الإنسان. وهو كالحيوانات في الغذاء والتناسل والشهوة البدنية والمهارشة
[ ٥٤ ]
والمنازعة وغير ذلك من أوصاف الحيوانات، والملائكة في العقل والعلم وعبادة الرب والصدق والوفاء ونحو ذلك من الأخلاق الشريفة. وهكذا اجتمعت له القوتان وتحققت فيه الصفتان الدنيوية والآخروية حتى يصلح لعمارة الأرض وخلافة الله وعبادته.
وقد ضرب أمير المؤمنين علي ﵁ لذلك ثلاثة أمثال فقال: إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا تترجح إحداهما إلا بنقصان الأخرى، وكالمشرق والمغرب كل من قرب من أحدهما بعد عن الآخر، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، ولذلك يرى قوم أكياسا في تدبير الدنيا بلهاء في تدبير الآخرة وقوم أكياسا في أمور الآخرة بلهاء في أمور الدنيا، حتى قال ﵊ "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" "الأصفهاني: الذريعة إلى أحكام الشريعة ص٩٦". وبلوغ الكمال والتمام في العقل والخلق أمر صعب عسير ولذلك يقع الإنسان في الذنب والخطأ مهما كانت درجته، ولذلك قال النبي ﷺ: "ما منا نبي إلا أذنب أو هم".
ويبين الله في كتابه العزيز أن الغاية المستهدفة من خلق الإنسان هي الخلافة في الأرض. وفي توضيح معنى الخلافة في تحقيقه لكتاب النشأتين وتحصيل السعادتين للراغب الأصفهاني يقول الدكتور عبد المجيد النجار "ص١٠٥": "والخلافة هي الخلافة عن الله بمعنى القيام في الأرض بتطبيق أوامره ونواهيه التي تجتمع كلها عند تحقيق مصلحة الإنسان الشاملة عبر التفاعل مع الكون بما يؤدي إلى الترقي الروحي عقلا وفضيلة، الترقي المادي باستثمار الكون في الأغراض المادية بهذا المعنى، فإن الخلافة تتم بالعبادة جهادا للنفس وجهادا للتعمير، ويتحقق نقع الإنسان في الدنيا والآخرة.
وقد أوجد كل ما في الكون من أجل الإنسان ومن أجل نفعه ومصلحته وراحته وخدمته. وأباح الله الانتفاع بهذه النعم جميعا ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ . فللإنسان أن ينتفع بكل ما في العالم في غذائه ودوائه وملبوساته ومشموماته ومركوباته وزينته والالتذاذ بصورته ورؤيته والاعتبار به واستفادة علم منه والاقتداء بفعله فيما يستحسن منه
[ ٥٥ ]
والاجتناب عنه عما يستقبح منه "الأصفهاني: تفصيل النشأتين: ص١١٠".
ويوضح الدكتور عبد المجيد النجار الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات في الغاية من خلقها بقوله: "إذا كانت الموجودات جميعا خلقها الله لحكم وغايات فإن الفارق بين الإنسان وغيره في تحقيق الغاية أن الإنسان يحقق غايته باختياره وسائر الموجودات تحقق غاياتها بالطبع. وذلك مظهر تكريمه وعنوان علوه"
"الراغب الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص١١٠".
[ ٥٦ ]