يقول الماوردي تحت هذا العنوان: "اعلم أن ما تصلح به الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة ستة أشياء أو أمور هي: دين متبع وسلطان قاهر وعدل شامل وأمن عام وخصب دائم وأمل فسيح". فهو يرى أن الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها لأنه يصرف النفوس عن شهواتها ويعطف القلوب عن إرادتها حتى يصير قاهرا للسرائر زاحرا للضمائر، رقيبا على النفوس في خلواتها نصوحا لها في ملماتها. كما أن الدين به صلاح الآخرة أيضا. ومن هنا كان على العاقل أن يكون به متمسكا وعليه محافظا.
أما الأمر الثاني الذي تصلح به الدنيا هو السلطان القاهر فيقول الماوردي إن برهبته تتألف الأهوار المختلفة وبهيبته تجتمع القلوب المتفرقة وبسطوته تنكف الأيدي المتعالية ومن خوفه تنقمع النفوس المتعادية ولأن في طباع الناس من حب المغالبة والمنافسة على ما آثروه والقهر لمن عاندوه ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي ورادع تلي وقد أفصح المتنبي في ذلك بقوله:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم". وروى عنه قوله ﷺ أيضا: "إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن".
أما الأمر الثالث وهو العدل الشامل فإنه كما يقول الماوردي يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة وتعمر به البلاد وتنمو به الأموال ويكثر معه النسل ويأمن به السلطان. وإذا كان العدل إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه ثم بعدله في غيره فإذا عدل الإنسان في نفسه فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح. وأما عدله مع غيره فيكون بعدل الإنسان فيمن دونه، كالسلطان في رعيته. ويكون بعدل الإنسان مع من فوقه كالرعية مع سلطانها. ويكون بعدل الإنسان
[ ١٢٠ ]
مع أكفائه.
أما الأمر الرابع الذي تصلح به الدنيا وهو الأمن العام فإليه تطمئن النفوس وفيه تنتشر الهمم وفيه يكن البريء ويأنس الضعيف. فليس لخائف راحة ولا لحاذر طمأنينة. وقد قال بعض الحكام: الأمن أهنأ عيش والعدل أقوى جيش.
وأما الأمر الخامس وهو خصب الدار ووفرة العيش فيه تتسع النفوس ويشترك فيه ذوو الإكثار والإقلال. فيقل في الناس الحسد وينتفي عنهم تباغض العدم. ولأن الخصب يئول إلى الغنى. والغنى يورث الأمانة والسخاء. وقال بعض السلف: "إني وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى، وشر الدنيا والآخرة في الفجور والفقر". وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
ولم أر بعد الدين خيرا من الغنى ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر
أما الأمر السادس وهو الأصل الفسيح فإنه يبعث على اقتناء ما يقصر العصر عن استيطابه. ويبعث على اقتناء ما ليس يؤمل في دركه بحياة أربابه. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: $"الأمل رحمة من الله لأمتي ولولاه ما غرس غارس شجرا ولا أرضعت أم ولدا". وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
وللنفوس وإن كانت على وجل من المنية آمال تقويها
فالصبر يبسطها والدهر يقبضها والنفس تنشرها والموت يطويها
ويفرق الماوردي بين الآمال والأماني. فالآمال ما تقيدت بأسباب والأماني ما تجردت عنها. أي أن الأمل يتعلق بتحصيل شيء يمكن حصوله. أما الأمنية فهي رجاء وتمني لشيء من الصعب أو المحال تحقيقه.
[ ١٢١ ]