مكانة العلم في الإسلام:
لقد ضرب الإسلام مثلا فريدا يستحق الإعجاب على اهتمامه بقيمة العلم والعلماء والقرآن الكريم والسنة الشريفة بل وتاريخ الإسلام نفسه حافل بالأمثلة التي لا يعيبها الحصر. فقد كانت أول آية نزلت على الرسول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ والإسلام لا يسوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وفضل الله الذين أوتوا العلم درجات، وجعل العلماء ورثة الأنبياء. وقد فضل الرسول ﷺ مجلس العلم على مجلس الذكر وساوى مداد العلماء بدماء الشهداء. وورد قوله ﵊: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" وأمرنا ديننا بأن نحرص على طلب العلم، وأن نتحمل كل مشقة في سبيله، وقال ﵊: "من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ومن أرادهما معا فعليه بالعلم". وقد روي عن النبي ﷺ قوله: "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب". وقوله ﷺ: "إن الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك".
وورد عن أبي ذر الغفاري أن النبي ﷺ قال: "حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة، وحضور مجلس علم أفضل من عيادة ألف مريض، وحضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة"، فقيل: يا رسول الله، ومن قراءة القرآن؟ فقال النبي: "وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم". ويقول الغزالي في إحياء علوم الدين إن العلم فضيلة في ذاته على الإطلاق "فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال".
ومما يروى أن علي بن أبي طالب ﵁ قال لكميل النخعي: "يا كميل إن هذه القلوب أوعية فاحفظ عني ما أقول: الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم عنده سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق مع كل ريح يميلون لم يستضيئوا بالعلم ولم يركنوا إلى ركن وثيق. يا كميل العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق. يا كميل
[ ٢٠ ]
محبة العلم دين يدان به تكسب المرء الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته. ومنفعة المال تزول بزواله، والعلم حاكم والمال محكوم عليه. يا كميل مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر". وقال رسول الله ﷺ: "تعلموا العلم وعلموه الناس" وقال ﵊: "تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة، ودراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه عبادة وتعليمه صدقة وبذله لأهله قربة". وروي عن سلمان الفارسي أنه كتب إلى أبي الدرداء: "إن العلم كالينابيع يغشى الناس فيختلجه هذا وهذا فينفع الله به غير واحد، وإن حكمة لا يتكلم بها، جسد لا روح فيه، وإن علما لا يخرج، ككنز لا ينفق، وإنما مثل العلم كمثل رجل عمل سراجا في طريق مظلم يستضيء به من مر به وكل يدعو إلى الخير".
وقد ورد عن هارون الرشيد أنه قبل الجزية كتبا. كما أن المأمون دفع وزن ما ترجم ذهبا. وهذا دليل واضح على اهتمام خلفاء المسلمين بالعلم وتقديرهم لأهميته. وما هذه إلا أمثلة معدودة من أمثلة أخرى لا حصر لها أردنا بها أن نؤكد حرص الإسلام على العلم وتقديره لقيمته وقيمة المشغلين به.
ومن مظاهر اهتمام المسلمين بالعلم الارتحال في طلبه، فقد كان العلماء ينتقلون من مكان إلى آخر استزادة في العلم ونشرا له. وسنفصل الكلام عن هذه النقطة عند كلامنا عن الرحلة في طلب العلم. وكما يجب على المتعلم أن يلح في طلب العلم يجب على صاحب العلم ألا يخفيه عن الناس يقول، ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ . وروي عن النبي ﷺ قوله: "من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" وقوله ﷺ: "لا تمنعوا العلم أهله فإن في ذلك فساد دينكم والتباس بصائركم". كما أن الرسول ﷺ دعا إلى تحبيب الناس في التعليم، فقال: "علموا ويسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا".
[ ٢١ ]