تقوم التربية الإسلامية على تربية الإنسان تربية فردية ذاتية فهي تربية على الفضيلة ليكون مصدر خير لجماعته وتحمله مسئولية أعماله وتصرفاته، فكل امرئ بما كسب رهين. وكل مسلم راعٍ وهو مسئول عن رعيته. وفي نفس الوقت يربي الإسلام الفرد تربية اجتماعية، فالمسلم أخو المسلم. والمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. و"مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى". وهي تربية تجرد الفرد من روح الأنانية البغيضة: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". و"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".
وتؤكد التربية الإسلامية على أهمية القدوة والوسط الاجتماعي في تنشئة الفرد. واهتمت بتكوين العادات الحسنة منذ النشأة الأولى للطفل لمخالطته للنماذج الطيبة وإبعاده عن قرناء السوء، فمثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير. كما اهتمت أيضا بالوسط الأسري الاجتماعي كعامل هام في تربية الفرد، فالإنسان يولد على الفطرة وأبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. إن من أهم الأسس التي تقوم عليها علاقة الفرد بالمجتمع في الإسلام هو أن الاتصال الصحيح للفرد بذاته هو الاتصال الصحيح بالآخرين.
وقد اتجه الإسلام إلى إقامة مجتمع قوي بأفراده ويقوم على أساس العدل والمصلحة العامة والتكافل الاجتماعي، ولتحقيق هذه الغاية السامية اتجه الإسلام إلى تربية الفرد وتهذيبه ليكون مصدر خير لجماعته، كما اهتم بإقامة العدل في الجماعة الإسلامية. والمسلمون يتساوون في أخوة رفع الظلم بينهم. فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه وأمرنا الإسلام بالعدل في المعاملة وأن نعامل الناس بما نحب أن يعاملونا به، كما أمرنا بالعدل في الأحكام والقضاء والشهادة وغيرها. ويرى بعض علماء المسلمين أن أجمع آية لمعاني القرآن قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .
ومن تمام التربية الاجتماعية للفرد محافظة الإسلام على المصالح الاجتماعية. ويرى جمهور الفقهاء المسلمين أن المصالح الاجتماعية تتركز في خمسة أمور يسمونها بالضرورات الخمس لأنها أمهات لكل الأحكام الفرعية. وهي واجبة على كل مسلم من أجل الحفاظ على نفسه وأهله ومجتمعه. هذه الأمور أو الضرورات هي: حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ المال
[ ٦٩ ]
وحفظ النسل. ويكون الحفاظ على النفس بحمايتها وصيانتها والمحافظة عليها من أي سوء أو ضرر أو اعتداء عليها أو إزهاق لها إلا بالحق. وتكون المحافظة على العقل بحمايته من التلف ومن كل ما يعيقه عن أداء وظائف وفي مقدمتها التفكير. كما تكون أيضا بابتعاد الإنسان عن كل ما يذهب العقل أو يؤثر عليه سلبيا وفي مقدمة ذلك المسكرات والمخدرات بكل أنواعها. وقد حرمها الإسلام لإضرارها بالعقل وما يترتب على ذلك من فساد حال الإنسان. وتكون المحافظة على الدين بالالتزام بأوامره ونواهية وحماية العقيدة من الانحلال أو الانحراف. وتكون المحافظة على المال بكسبه عن طريق حلال وبترشيد انفاقه فيما شرع الله بالعدل وبدون تقتير أو تبذير، وبحمايته من النهب والسرقة وأكله بالباطل. وتكون المحافظة على النسل بالزواج الحلال والابتعاد عن الزنا وحسن اختيار الزوج أو الزوجة الصالحة التي إن نظر إليها زوجها سرته وإن غاب عنها حفظته. ويكون أيضا بحسن تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة صالحة على غرار ما فصلناه في كلامنا عن تربية الطفل في الإسلام. وينبغي أن نشير إلى أن مسئولية الحفاظ على هذه الأمور الخمسة هي مسئولية مشتركة بين الفرد وبين المجتمع ممثلا في قوانينه وشريعته وأولي الأمر فيه. وهي بهذا مسئولية فردية اجتماعية معا.
[ ٧٠ ]