ذلك أن مجيء الإسلام كرسالة كان من أجل الرحمة بالبشر. وقد خاطب ﷾ نبيه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . إن التربية الإسلامية موجهة لما فيه خير الفرد والمجتمع فهي توجه الإنسان إلى الفضيلة بالالتزام بالخلق الكريم والتحلي بجميل الصفات ومعاملة الناس بالحسنى "فالدين المعاملة"، وحث الإسلام المسلمين على الخير وكل ما فيه سعادة الناس جميعا وجعل حب الخير للآخرين من تمام الإيمان "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". كما اهتم بتنمية نزعات الخير في الإنسان من تعاطف وتراحم وتواد وتآخ وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر و"مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
ويقول الغزالي: "إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الحق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكننا نعني بالمصلحة على مقصود الشرع من الخلق خمسة. وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة. وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة ودفعها مصلحة" "الغزالي: المستصفى. ج١، ص٢٨٧". وجعل الإسلام مصالح العباد من أفضل العبادات، ويقول ﵊: "الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله". وقال الشاعر في نفس المعنى:
الخلق كلهم عيال الله تحت سمائه وأحبهم طرا إليهم أبرهم بعياله
والتربية الإسلامية تقوم على إقامة العدل في المجتمع الإسلامي ولإقامة العدل جوانب متعددة منها العدل في المعاملة "عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به" ومنها العدل في القضاء فالمسلمون سواء أمام الإسلام لا فضل لغني على فقير ولا لقوي على ضعيف ولا لعربي على عجمي، ومنها العدل الاجتماعي؛ فالقوي يساعد الضعيف، والغني يساعد الفقير بل وفي أموال الأغنياء حق معلوم للسائل والمحروم، ومن العدل أيضا التساوي بين الناس في الحقوق والواجبات، ومن هذه الحقوق حق العمل وحق التعليم. وفي تفسير ما يتعلق بالتعليم قال بعض فقهاء المسلمين إنه يجب أن يكون التعليم على ثلاث مراحل
[ ٧٣ ]
المرحلة الأولى فرض عين فيها يتعلم كل شباب الأمة الإسلامية، فمن كان يستطيع بكفاءته الفكرية التي كشفتها تلك المرحلة أن يدخل الثانية دخلها، ومن وقفت كفاءته الفعلية عن الدخول فيه وقف عند فرض كفاية تحتاج إليه الجماعة إذ الأمة في حاجة إلى عمال يدويين وزراع يفلحون ويقومون على الحرث، وإلى من يمهرون في الصناعات المختلفة التي لا تحتاج إلى تفكير كثير وإنما إلى أيد ماهرة كسبت مهارتها بالتمرين والعمل.
والذين اجتازوا المرحلة الثانية بنبوغ يدخلون المرحلة العليا وهي الثالثة، ومن وقف دون الدخول في هذه الأخيرة وقف عن فرض كفاية فإن الجماعة محتاجة إلى ذوي ثقافات متوسطة ليشرفوا على الأعمال ويديروا نظامها. ومن اجتازوا المرحلة العليا كان منهم قادة الفكر والمخترعون وبمقدار قواهم الفكرية لا بمقدار عددهم تكون قوة الأمة الإسلامية وعظمتها المادية والروحية، فالاعتبار في هؤلاء بقواهم لا بالأعداد الكثيرة "محمد أبو زهرة. ص٨٤". إن إحدى الغايات الرئيسية المنشودة في التربية الإسلامية غاية أخلاقية تقوم على تربية الإنسان الخير الذي يحيا حياة خير بعيدة عن الشر والأذى على المستوى الفردي والاجتماعي.
[ ٧٤ ]