القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، هما المصدران الأساسيان للتربية الإسلامية، حيث يحتويان على فلسفة تربوية واضحة متكاملة الأسس والأهداف، ثم يأتي الإجماع والقياس.
والقرآن الكريم هو الأصل الأول الذي تستمد منه التربية الإسلامية مبادئها وأسسها، ونوجز منهج القرآن الكريم في التربية فيما يلي:
١- يرى القرآن أن العلم نعمة يمن الله بها على عباده، كما قال في حق الرسول ﷺ: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ١، ويبين القرآن أيضا فضل العلماء ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٢.
٢- وقد أشار القرآن إلى آداب رفيعة؛ ليتأدب بها طلاب العلم منها الدعاء والرجاء أن يزيدهم علما، وأن يلهمهم ذكرا إذا ما نسوا شيئا ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ٣، ومنها التركيز على القدوة الحسنة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ٤.
والقرآن يربي العقل والعاطفة متمشيا مع فطرة الإنسان في البساطة وطرق باب العقل مع القلب مباشرة، وقد اتبع القرآن عدة أساليب في التربية من أهمها أسلوب الحوار، وأسلوب الممارسة العملية، وأسلوب ضرب الأمثال.
يربي أسلوب الحوار نفوس النشء تربية صالحة تساير مقتضيات العصر وخصائص التربية الإسلامية، ينبغي على المعلم أن يدعم أسلوب الحوار مع طلابه، حتى يساعدهم على حسن الاستجابة إزاء المواقف التي يتعرضون لها.
أما أسلوب الممارسة العلمية فقد استخدمه القرآن في تربية
_________________
(١) ١ النساء: ١١٣. ٢ المجادلة: ١١. ٣ الكهف: ٢٤. ٤ النساء: ١٣٥.
[ ٢٩ ]
المسلمين، ويتضمن هذا الأسلوب القواعد العملية في تناوله لأحوال الناس في الحياة وجميع أنواع النشاط، حتى يستطيع الفرد أن يحقق أهدافه بالطرق السليمة. إن اقتران الجانب النظري بالجانب العملي له أهمية قصوى في تكوين الشخصية المتكاملة والمتوازنة، إن التعليم عن طريق العمل والممارسة يجعل حياة الفرد أكثر استقامة وأكثر رقيا، وينعكس هذا بدوره على المجتمع فيجعله أشد تماسكا وأكثر إنتاجا. قال عز من قائل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
ويذكر الإمام الغزالي في رسالته "أيها الولد": "أن العلم المجرد لا يفيد إلا إذا اقترن بالعمل"، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ٢.
ويهدف القرآن من أسلوب ضرب الأمثال إلى تحقيق غايات نفسية تربوية من خلال سمو الغرض وجلال ونبل المعنى بالإضافة إلى الإعجاز البلاغي وتأثير الأداء، وتتصف الأمثال في القرآن الكريم بالتنوع والشمول بغية دفع الإنسان إلى قمة الكمال، وتحدد الأمثال القرآنية للناس خصائص منهج التعامل بين الإنسان والكون، والإنسان والإنسان، والإنسان والله، والإنسان وسنن الحياة، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى أن يعيش الإنسان على صلة دائمة بخالقه، فلا يتبلد حسه، ولا يذبل رجاؤه، ويتضمن أسلوب ضرب الأمثال التربية الخلقية، والتربية الاجتماعية، والتربية الروحية، والتربية العقلية، والتربية العملية، لذا فإنه يعتبر من أهم الأساليب في عملية التربية.
إن الأمثال القرآنية تسهم في تربية الإنسان على السلوك السليم الخير وتهذيب أخلاقه وطباعه، فتستقيم حياة الأفراد والمجتمعات ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ النحل: ٩٧. ٢ النجم: ٣٩-٤١. ٣ العنكبوت: ٤٣.
[ ٣٠ ]
والسنة النبوية هي المصدر الثاني للتربية الإسلامية، وقد جاءت بأمور موافقة لما جاء في القرآن، فهي تفسر القرآن وتبينه وتفصل ما أجمل فيه وتوضح معناه وتقيد المطلق منه وتخصص العام، وتمس السنة جوهر العملية التربوية وما يجب أن يراعيه المعلم في تدريسه، وهو مبدأ الفروق الفردية بين التلاميذ، فقد نبه الرسول إلى هذا المبدأ حين قال: "أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم"، ويشير النحلاوي إلى فائدتين كبيرتين للسنة في المجال التربوي هما:
"إيضاح المنهج التربوي الإسلامي المتكامل الوارد في القرآن الكريم، وبيان التفاصيل التي لم ترد في القرآن الكريم، واستنباط أسلوب تربوي من حياة الرسول مع أصحابه ومعاملته الأولاد وغرسه الإيمان في النفوس"١.
أما المصدران الثانويان: فهما الإجماع والقياس، ويعرف الإجماع بأنه اتفاق المجتهدين من المسلمين -بعد وفاة الرسول- في أي عصر من العصور على حكم شرعي ديني، ويجب العمل بالإجماع؛ لأنه حجة شرعية، ويفهم ذلك من قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢، ويفهم ذلك أيضا من قول الرسول: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ٣.
أما القياس فيعرف بأنه "إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما"، وهو حجة عند فقهاء المسلمين، وقد يضاف الاستحسان والمصالح المرسلة إلى الإجماع والقياس.
_________________
(١) ١ النحلاوي، المرجع السابق، ص٢٣-٢٤. ٢ النساء: ١١٥. ٣ ابن ماجة: ج٢، ص١٣٠٣.
[ ٣١ ]