تعرف العبرة بأنها حالة نفسية تتيح للمرء معرفة المغزى والمآل لأمر ما يشاهده الإنسان ويتبصر فيه ويتدبره ويقوم باستقرائه ومقايسته فيصل إلى نتيجة مؤثرة يخشع لها قلبه، فيدفعه ذلك إلى سلوك فكري واجتماعي مناسب، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية كثير من الموضوعات التي تدعو إلى التأمل والاعتبار، ولكل قصة قرآنية أو نبوية هدف تربوي رباني، يستخلص منها صاحب الفكر الواعي العبرة ويستنبط منها المغزى المراد، وفي ذلك يقول الله ﷿ بعد ذكر قصة يوسف ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
والعبرة من القصة تربى في النشء الأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية والعواطف الربانية، والمعلم مطالب باستخدام الوسائل المناسبة؛ لإيقاظ التأمل في نفوس التلاميذ وتعويدهم على التفكير السليم.
وهناك أيضا العبرة بمخلوقات الله ونعمه التي سخرها للإنسان، ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢. والمربي الواعي يمرن عقول الطلاب على تأمل آيات الله في الكون ودلائل حكمة الله ودقة صنعه، ثم يناقش الطلاب في هذه الأمور ويستجوبهم بأسئلة محكمة يتوصلون بها تلقائيا إلى الاعتراف بوحدانية الله وقدرته وأسمائه الحسنى، وحتى تحقق الهدف منها يجب أن تحوي التربية بالعبرة جميع مواقف الحياة وحوادث الكون ومظاهر القدرة الإلهية.
إن الاعتبار بالأحداث التاريخية كان محل اهتمام القرآن، إذ أشار إلى أحداث تاريخية بارزة كان لها بعدها كغزوة بدر وغزوة حنين، وأشار إلى العبرة من هذه الأحداث كغزوة بدر ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
_________________
(١) ١ يوسف: ١١١. ٢ النحل: ٦٦، ٦٧.
[ ٥٥ ]
وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.
يهدف القرآن الكريم من ذكر الأحداث التاريخية إلى الاعتبار ومعرفة المغزى، كمعرفة سنة الله في إهلاك المفسدين بسبب فسادهم وظلمهم ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ ٢، وكمعرفة سنة الله في نصر عباده المؤمنين ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٣.
وهناك أيضا التربية بالموعظة التي تأخذ معاني النصح وهو بيان الحق والمصلحة من أجل تجنيب المنصوح الضرر وإرشاده إلى ما يحقق نفعه وسعادته، كذلك التذكير بالموت وبالمرض وبيوم الحساب، فالموعظة المؤثرة تنفذ مباشرة إلى النفس عن طريق الوجدان، وتربي العواطف وتنميها، وقد توقظ الموعظة العواطف في نفوس النشء عن طريق الحوار أو العمل والعبادة والممارسة كعاطفة الخضوع لله والرغبة في جنته، ويعتمد الوعظ على القدوة الحسنة وعلى الجماعة المؤمنة التي تعد الوسط الذي يسمح بتقليد القدوة ويشجع على الأسوة بها. إن القدوة الحسنة تجعل الموعظة بالغة التأثير في النفس، ودافعا قويا إلى تزكية النفس وتطهيرها من فجورها وأدرانها.
_________________
(١) ١ آل عمران: ١٢، ١٣. ٢ هود: ١١٧. ٣ الفتح: ٢٢، ٢٣.
[ ٥٦ ]