تستخدم التربية الإسلامية أسلوب القصة في تحقيق الأهداف التربوية، وتعتبر القصة أحد العوامل التربوية الفعالة في نشر الاتجاهات والقيم المرغوب فيها والدعوة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة، لما لها من قدرة عظيمة على التأثير والتوجيه، والقصة القرآنية إحدى وسائل القرآن في الوصول إلى أغراضه الدينية، وقد حفل القرآن بكثير من القصص، وفي كل قصة نجد مثلا تربويا تمثله شخصية، أو عدة أمثال تمثلها عدة شخصيات، وهذه القصص التربوية تجسد شخصيات مثالية تثير في النفس انفعالا نحوهم لمحاكاتهم، وجاء في التنزيل العزيز: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وتمتاز القصة القرآنية بأنها تشد القارئ وتجذب انتباهه، فتجعله كثير التأمل في معانيها والتأثر بشخصياتها وموضوعاتها، كما أنها تتعامل مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة، متمثلة في أهم النماذج التي يتوخى القرآن إبرازها للإنسان، والقصة القرآنية تربي العواطف الربانية عن طريق إثارة الانفعالات كالخوف والترقب، والرضا والارتياح، كما تمتاز بالإقناع الفكري بموضوع القصة عن طريق الإيحاء وعن طريق التفكير والتأمل.
ومن ميزات القصص القرآني الصدق والتركيز على الهدف المنشود من القصة، وتزويد الفرد والجماعة بالقيم الإسلامية الرفعية وتربيتهم على الثقة المطلقة بالله والإيمان بالقضاء والقدر، وقد أشار القرآن الكريم إلى استخدام القصة كأسلوب تربوي ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ هود: ١٢٠. ٢ الأعراف: ١٧٦.
[ ٦٣ ]
وفي القصص الديني يبين المعلم لتلاميذه أحوال السالكين والناكبين، وتحوي أحوال السالكين قصص الأنبياء والأولياء، كقصة آدم ونوح وإبراهيم وعيسى، أما أحوال الناكبين والجاحدين فهي قصص فرعون وقارون وعاد وثمود وكفار مكة وعبدة الأصنام وغيرهم. والقرآن الكريم يجمل أو يفصل هذه القصص وفقا للعبرة المقصودة والدروس المستفادة.
وكان أحد أغراض القصة القرآنية١ إثبات الوحي والرسالة وتحقيق القناعة بأن محمدا ﷺ وهو الأمي الذي لا يقرأ يتلوا على قومه هذه القصص من كلام ربه، فلا يشك عاقل في أنها وحي من الله، وأن محمدا رسول الله يبلغ رسالة خالقه. ومن أغراض القصة القرآنية بيان أن الدين كله من عند الله، وأن الله ينصر رسله والذين آمنوا، وينجيهم من الكروب والشرور من عهد آدم ونوح إلى عهد محمد ﷺ، وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة، والله الواحد رب الجميع، وكان من أغراض القصة القرآنية أيضا شد أزر المسلمين وتسليتهم عما يقابلون من المصائب والهموم، وتثبيت رسول الله ومن اتبعه من أمته وموعظة وذكرى للمؤمنين، وتنبيه الناس إلى خطر غواية الشيطان٢، وتجسيد العداوة الخالدة بينه وبين الناس، ومن الأغراض التربوية للقصص بيان قدرة الله تعالى، ومثل ذلك قصة الذي أماته الله مائة عام، ثم بعثه٣.
والسنة النبوية تشمل كثيرا من القصص التي يمكن استخدامها كمواقف تربوية ذات تأثير كبير في التعليم، والأهداف في القصص النبوي تتميز بالتفصيل والتخصيص، فهناك أهداف أصلية وأخرى فرعية وأخلاقية مثل بيان أهمية إخلاص العمل الصالح لله والتوسل به إلى الله
_________________
(١) ١ سيد قطب: التصوير الفني في القرآن، دار الشروق، بيروت ١٩٨٢، ص١١٧-١٢٨. ٢ الأعراف: ٢٥، ٦٠، ٣٠. ٣ البقرة: ٢٥٩.
[ ٦٤ ]
لتفريج الأزمات، والحث على الصدقة، وتكميل وتوضيح ما جاء في القرآن من إشارات إلى قصص مختصرة اقتصر القرآن منها على ما يحقق غرضه من إيرادها، كقصة إبراهيم وإسماعيل ﵉ إذ يرفعان القواعد من البيت١.
ويستطيع المعلم البارع أن يجعل المدخل القصصي أساسا للتربية والتعليم لا سيما في المرحلة الابتدائية، كما يمكن للتربية الحديثة أن تستخدم القصة كأسلوب تربوي فعال وذلك ضمن استخدامها للمنهج التاريخي.
_________________
(١) ١ النحلاوي: مرجع سابق، ص٢١٨-٢٢٠.
[ ٦٥ ]