تبدأ هذه المرحلة من السابعة إلى الثانية عشرة وهي المرحلة التي يلتحق فيها الطفل بالمدرسة بعد أن تعلم القراءة والكتابة وهي المرحلة التي يمكنه أن يتذكر ما يحدث أمام بصره وسمعه نتيجة لقوة ذاكرته وقدرته على الحفظ وتعلم اللغات فيها، ولذلك جعل الرسول ﷺ هذه المرحلة هي مرحلة أمر الطفل بالصلاة حيث يقول: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع" ١، وفي هذه المرحلة يعلم الطفل امتثال أوامر الله سبحانه واجتناب نواهيه ويعرف بالحلال والحرام ويوجه إلى حب رسول الله ﷺ وآل بيته عملا بقوله ﷺ: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله" ٢ كما أنه يلقن آداب الأكل والشرب كما فعل الرسول ﷺ مع عمر بن أبي سلمة الذي يقول: "كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عديه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ: يا غلام سم الله تعالى، وكل بيمينك وكل مما يليك" ٣.
وفي هذه المرحلة يتعرف الطفل على زملائه في المدرسة ويكون مع بعضهم صداقات وهو ما يسمى في علم النفس الحديث بشلة الرفاق ولأن الحاجة إلى الأصدقاء والرفقاء من الأمور الطبيعية والمهمة فقد اهتمت التربية الإسلامية بذلك، ودعت إلى أن يختار الأب لابنه الأصدقاء المؤمنين والجلساء الصالحين ليس بطريقة مباشرة وإنما باختيار أصدقائه هو ممن لهم مثل أبنائه وتوطيد صلته بهم حتى تنشأ العلاقة بين الأطفال بحكم سنهم، ولذلك يقول الرسول ﷺ: "لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي" ٤، ويقول: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، أو تشتري منه، أو تجد منه ريحا طيبا، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد
_________________
(١) ١ رواه الحاكم وأبو داود عن عمرو بن العاص. ٢ رواه الطبراني. ٣ متفق عليه رياض الصالحين ص٣٣٢. ٤ سنن أبي داود والترمذي.
[ ١١٩ ]
منه ريحا منتنة" ١ ويقول الرسول ﷺ- مبينا أن الفرد يقارن بخليله سيئا كان أم حسنا-: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" ٢، والقرآن يوضح أن أصدقاء الشر أعداء لبعضهم يوم القيامة وأن أصدقاء الخير والتقوى سعداء حتى في الآخرة ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف ٦٧) ويقول تعالى موضحا أثر رفقة السوء على الإنسان وندمه على ذلك ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (الفرقان ٢٧- ٢٩) وقد نبه علماء التربية في الإسلام أمثال ابن سينا والغزالي وغيرهما إلى أهمية هذه الناحية في التربية وأثر اختيار الأصدقاء على مستقبل الأطفال وتوجيههم إلى الخير والشر، فابن سينا يرى أن الطفل يتأثر برفيقه ويكتسب منه كثيرا من العادات لما ركب فيه من نزعة التقليد والمحاكاة فيقول: "وينبغي أن يكون مع الصبي صبية من أولاد الحلة حسنة آدابهم مرضية عاداتهم فإن الصبي عن الصبية ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس" ٣ أما الغزالي فيقول: "وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فَأنْ يصونه عن نار الآخرة أولى. وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء، ولا يعوده التنعم ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية، فيضيع عمره في طلبها إذا كبر، فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال"٤ ويقول: "ويمنع الطفل من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والشتم ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء، وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء"٥.
ومن أهم الحاجات التربوية في هذه المرحلة غرس الإيمان بالله في نفس الطفل وتبسيط مبادئ العقيدة وتنشئته على الخوف من الله وإحساسه بأن الله مطلع عليه مراقب لأعماله وأن عليه أن يستعين بالله ويلجأ إليه ويدعوه ويطلب منه الهداية للخير، وعلى الوالد ألا يدع فرصة إلا واستفاد منها في ترسيخ المثل العليا واليقين في الله ولنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة فقد روى ابن عباس قوله: "كنت خلف النبي صلى الله عليه
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم. ٢ رواه الترمذي. ٣ نقلا عن الابراهيمي، التربية الإسلامية. ٤الإحياء ج١. ٥ المصدر السابق.
[ ١٢٠ ]
وسلم يوما فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف"١.
ولابد أيضا من الاهتمام بالجانب العملي في العقيدة بتعليم الصبي أمور دينه وحثه على المواظبة على الصلاة واعتياد المساجد وتقوية صلته بأبناء حيه ممن يشهدون الصلاة في المساجد.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس وهنالك رواية غير رواية الترمذي
[ ١٢١ ]