مرحلة البلوغ من المراحل الطبيعية في النمو إذا سارت في مجراها الطبيعي وهي المرحلة التي تسمى في علم النفس بمرحلة المراهقة وهي التي تبدأ في حوالي الثانية عشرة من العمر وتقابل في مراحل التعليم المرحلة المتوسطة والثانوية "والمراهقة لفظ وصفي يطلق على المرحلة التي يقترب فيها الطفل وهو الفرد غير الناضج انفعاليا وجسمانيا وعقليا في عشر السنوات التالية من الحياة غاية النضج الانفعالي والجسمي والعقلي والمراهق هو فرد، ولد أو بنت في مرحلة بين الطفولة والرجولة أي بين المرحلة التي يكون النضج فيها غير كامل وبين مرحلة النضج الكامل" ١ وهذه المرحلة تبدأ في الغالب من الثالثة عشرة إلى حوالي الواحدة والعشرين وتختلف من فرد إلى آخر ومن مكان إلى مكان وهي مرحلة نمو طويلة قد تمتد إلى عشر سنوات كما أنها مرحلة من الناحية الاجتماعية مرحلة تكليف وتحمل المسؤوليات والواجبات فلذلك ربطت الإسلام بين هذه المرحلة وبين القيام بالتكاليف الشرعية ولم يخرج علماء الشريعة الإسلامية في تحديد سن المراهقة عن الفترة ما بين العاشرة والتاسعة عشرة وهي التي حددوها بالاحتلام عملا بحديث رفع القلم عن ثلاث منهم الصبي حتى يحتلم وترتبط هذه المرحلة بالتفكير في الزواج والحياة الأسرية، لذلك كان على المجتمع أن يهيء أذهان الشباب للاتجاهات الصحيحة للزواج وللأفكار السليمة عنه لأن الزواج يكمل النمو النفسي للإنسان ولذلك حض الرسول ﷺ الشباب على الزواج: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ٢ ومن أهم الظواهر في هذه الفترة ظاهرة النمو العقلي الذي يقتضي التركيز على التربية الخلقية والتي
_________________
(١) ١ د/ أحمد زكي صالح-علم النفس التربوي ص٢١٣. ٢ رواه البخاري في الصوم والنكاح – ومسلم وأبو داود وابن ماجه والدارمي في النكاح.
[ ١٢١ ]
تأتي في قمتها توجيه البالغ إلى الإيمان بالله على أساس من القناعة والحجة لا يتزعزع في مستقبله بما يتعرض له من وسائل التشكيك والتغيير، وقد علمنا القرآن كيفية التدرج في ذلك من الحسي إلى المعنوي في آيات كثيرة تدعو إلى التفكير في السماء والنبات والليل والنهار والبحار والنجوم والجبال والأنهار الخ والتفكير في خلق الإنسان ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ (الطارق/٤- ١٠) والتفكير في السماء والأرض وما فيها، وتفكير الإنسان في طعامه كيف نبت وتشكل وتنوع لونا ورائحة ومذاقا وهو يسقى بشيء واحد هو الماء ويخرج من مكان واحد هو الأرض ويتغذى بعناصر طاهرة هي الشمس والهواء وغيرهما. والتفكير بهذا الأسلوب القرآني يفتح البصائر وينير العقول ويدفع إلى الخشوع والخضوع لعظمة الله ومراقبته في السر والعلانية والإخلاص له والتوجه إليه بكل عمل لأن الله لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصا له وابتغى به وجهه.. ولا بد من التركيز على العوامل المؤدية إلى الشعور الدائم بمراقبة الله ﷿ مثل تجنب الشهوات الباطلة والحسد والبغض إلا في الله والحقد والكذب والنميمة وما إلى ذلك من العوامل التي تبغض إليه الرذيلة وتحببه في الفضيلة.
ولأن المراهق يعيش مرحلة الإحساس بالذات فإنه يشعر بالخجل ويهتم بالبطولات الأمر الذي يتطلب التركيز على دراسة جوانب البطولة في حياة الرسول ﷺ وسيرته ومغازيه وسيرة الصحابة والسلف رضوان الله عليهم وفي ذلك يقول سعد بن أبي وقاص: "كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله ﷺ كما نعلمهم السورة من القرآن الكريم".
أما الخجل فظاهرة تحتاج إلى تغيير ليحل محله الحياء لأن الخجل انكماش وسلبية وانطواء والحياء التزام بالفضيلة وتجنب للرذيلة ومظهر من مظاهر الإيمان وسكينة للنفس وضبط للتصرفات وصحوة للضمير وخجل من الله والنفس والناس وتقتضي التربية هنا تعليم النشء الحياء من النظر إلى المحرمات والاستماع إليها والقرب من المنكرات ونزاهة اللسان عن الفحش والبذاءة والخوض في الباطل وفي ذلك يقول الغزالي: "فينبغي أن يحسن مراقبته وأول ذلك ظهورا أوائل الحياء فإنه إن كان يحتشم ويستغني ويترك بعض الأفعال فليس ذاك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض فصار يستحيي من شيء دون شيء وهذه هدية من الله تعالى وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو
[ ١٢٢ ]
مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحيي لا ينبغي أن يهمل، بل يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه"١.
والتربية في هذه المرحلة تنتقل من مرحلة التقليد والمحاكاة إلى التوعية العقلية بالأسباب والقوانين المتعلقة بالتزام الفضيلة والبعد عن الرذيلة وصيانة اللسان والبطن والفرج من المحرمات خوفا من الله وحياء منه، وعن ذلك يقول رسول الله ﷺ: "استحيوا من الله حق الحياء، قلنا: إنا نستحي من الله يا رسول الله- والحمد لله- قال: ليس ذلك.. الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة، وآثر الآخرة على الأولى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" ٢.
إن هذه الفترة تحتاج إلى سياسة حكيمة واحترام لمشاعر البالغ ورغبته في الاستقلال والإحساس بنفسه وشخصيته وإقامة علاقة من الثقة والاحترام بينه وبين والده حتى يمكن توجيهه بما يساعده على النمو والنضج والاتزان.
_________________
(١) ١ إحياء علوم الدين ج أول. ٢ رواه الترمذي والإمام أحمد في مسنده.
[ ١٢٣ ]