سبق أن بيّنت أن الله تعالى أخبرنا أن ابني آدم لصلبه قدَّم كلُّ واحد منهما قربانًا لربه، فتقبل الله قربان أحدهما دون الآخر، فتهدد الولد الذي لم يتقبل الله قربانه أخاه بالقتل، فقال الذي تقبل الله قربانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. و﴿إِنَّمَا﴾ تفيد الحصر، والمعنى: أن الله يقبل من المتقين دون غيرهم.
وهذا يدلُّ على أن الولد الذي لم يقبل الله قربانه، لم يكن متقيًا لله فيما قدَّمه من قربان.
والذي عليه أهل السنّة والجماعة أن المؤمن إذا كان متقيًا لله في عمله الذي تقرب به، فإنه مقبول، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وإن، كان عاصيًا في غيره، كأن يكون زانيًا أو سارقًا أو قاطعًا رحمه.
وخالف في ذلك الخوارج، فذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة كافر، إلا أن يتوب، فلا يقبل الله صلاة الزاني ولا صيامه ولا زكاته، ولم يحكم عليه المعتزلة بالكفر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، أي: بين الكفر والإيمان، ولكنه في الآخرة من الخالدين في النار.
والذي عليه أهل السنّة والجماعة أ، العمل حتى يقبل يحتاج إلى شرطين:
الأول: أن يكون مشروعًا، فإن تقرب العبد إلى ربه بعمل غير مشروع فال يقبل، والعمل المشروع كالصلوات المفروضة، والسنن التي تصحب الصلاة
[ ٩٢ ]
المفروضة، وقيام الليل، وصيام رمضان، وصوم يوم عرفة، وصوم عاشوراء، وصيام الاثنين والخميس، ونحو ذلك مما شرعه الله ورسوله - ﷺ -. والعلم غير المشروع، العبادات المبتدعة، والمنهي عنها، كالذي يصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها، أو يصوم يوم العيد أو نحو ذلك، وقد قال الرسول - ﷺ -: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ».
والثاني: أن يكون العمل الذي يتقرب به إلى الله خالصًا لله، فلا يعبد مع الله تعالى أحدًا، ولا يرائي بعبادته، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، وقال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
فهذه الآيات اشترطت لقبول الأعمال الصالحة الإيمان، والكفر لا يتقبل الله منه.
وقد سئل الفضيل بن عياض عن المعنى المراد بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا عليٍّ: ما أخلصه، وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنّة، والمراد بكونه على السنّة، أي: موافقًا لسنة رسول الله - ﷺ -، وهو الذي سميناه بالمشروع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمة ﵀: "وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] أي: ممن اتقاه في ذلك العمل بأن يكون عملًا صالحًا
[ ٩٣ ]
خالصًا لوجه الله، وأن يكون موفقًا للسنه كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبّهِ فَليَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ولَا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠]، وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: (اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا) [ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ج٤، ص ٣١٠ - ٣١١].
وسُئل ابن تيمية عن رجل مدمن على المحرمات، وهو مواظب على الصلوات الخمس، ويصلي على محمد مائة مرة كل يوم، ويقول: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، كل يوم مائة مرة، فهل يكفر ذلك بالصلاة والاستغفار؟
الجواب الحمد لله: "قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، فمن كان مؤمنًا، وعمل عملًا صالحًا لوجه الله تعالى، فإن الله لا يظلمه بل يثيبه عليه، وأما ما يفعل من المحرم اليسير، فيستحق عليه العقوبة، ويرجى له من الله التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، وإن مات ولم يتب، فهذا أمره إلى الله تعالى، هو أعلم بمقدار حسناته وسيئاته، ولا يشهد له بجنة ولا نار، بخلاف الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون: إنه من فعل كبيرة أحبطت جميع حسناته.
وأهل السنّة والجماعة لا يقولون بهذا الإحباط، بل أهل الكبائر معهم حسنات وسيئات، وأمرهم إلى الله، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] أي: ممن اتقاه في ذلك العمل، بأن يكون عملًا صالحًا خالصًا لوجه الله، وأن يكون موافقًا للسّنة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا
[ ٩٤ ]
وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠] " [ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ج٤، ص ٣١٢ - ٣١٣].
وقال ابن تيمية أيضًا: "لا يجوز أن يراد بالآية أن الله لا يقبل العمل إلا ممن يتقي الذنوب كلها، لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيًا، فإن كان قبول العمل مشروطًا بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير، لم يخلص من الذنب، بل هو متَّقٍ في حال تخلصه منه.
وأيضًا فول أتى الإنسان بأعمال البر، وهو مصر على كبيرة، ثم تاب لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة، وتقبل منه تلك الحسنات، وهو حين أتى بها كان فاسقًا" [ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج٧، ص ٤٩٦ - ٤٩٧، راجع في هذا الموضوع: (موسوعة المسلم في التوبة والترقي في الإيمان): ٢/ ١٢٨٧) للأستاذ الدكتور منير البياتي].