أعلما ربنا سبحانه أن العاقبة للمتقين، فقد قال لرسوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وأخبرنا الله أن الأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده، ثم تكون العاقبة للمتقين، ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
وقد حدثنا ربنا كيف كانت عاقبة المكذبين من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب، فقد عاندوا رسله وكفروا بما أنزله الله عليهم،
[ ١٠٩ ]
ثم كانت العاقبة للمرسلين، ودمر الله الكافرين، وهذه الأمة قارعت أعداء الله، وكانت الحرب بيننا وبين أعدائنا سجالًا، يوم لنا ويوم علينا، ثم كانت العاقبة للمتقين، فانتصر المسلمون على أعدائهم، وفتحوا مكة، ثم فتحوا الجزيرة العربية، ثم فتحوا العراق وفارس، وبلاد الشام، ومصر وغيرها، وكانت لهم عاقبة الدار، ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] وقال سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
وقد أعلمنا ربنا أنه كتب في كتابه الذي أنزله على نبيه داود، وهو الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباده الصالحون ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
وقد وجدت هذا الذي ذكره القرآن في المزمور السابع والثلاثين من مزامير داود، فالذكر الذي جاء فيه قوله: "١ لا تغر من الأشرار، ولا تحسد عمّال الإثم، ٢ فإنهم مثل الحشيش سريعًا يقطعون، ومثل العشب الأخضر يذبلون. ٣ اتكل على الرب وافعل الخير. اسكن الأرض وارع الأمانة. ٤ وتلذذ بالرب فيعطيك سؤل قبلك. ٥ سلِّم للرب طريقك واتكل عليه وهو يجري، ٦ ويخرج مثل النور برَّك، وحقَّك مثل الظهيرة. ٧ انتظر الرب واصبر له، ولا تغر من الذي ينجح في طريقه، من الرجل المجري مكايد. ٨ كفَّ عن الغضب، واترك السخط، ولا تغر لفعل الشر" [المزمور السابع والثلاثون: ١ - ٨].
ثم قال بعد هذا الذكر: "٩ لأن عاملي الشر يقطعون، والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض. ١٠ بعد قليل يكون الشرير. تطَّلع في مكانه
[ ١١٠ ]
فلا يكون. ١١ أما الودعاء فيرثون الأرض، ويتلذذون في كثرة السلامة" [المزمور السابع والثلاثون: ٩ - ١١].
ثم ذكر المزمور المزيد من الذكر، ثم قال: "٢٩ الصديقون يرثون الأرض ويسكونها إلى الأبد" [المزمور السابع والثلاثون: ٢٩].
نهى هذا المزمور عن الغيرة من الأشرار الذين يملكون الجاه والمال والسلطان، ونهى عن حسد عمّال الإثم من الكفر والشرك والذنوب والمعاصي، فإنه سيكون حالهم حال الحشيش سريعًا ما يجف ويذبل ويقطع، وأمر بالتوكل على رب العباد، وفعل الخيرات، وأمر بسكنى الأرض، أي في جانب من جوانبها، وأمر بحفظ الأمانة، وأمر بعبادة الله بحبة واشتياق، فيعطيك ما تطلبه، وأمر بأن يسلم العبد للرب طريقه، ويتوكل عليه، فيخرج برّك مثل النور، ويبرز حقك كما تبرز الظهيرة، وأمر بانتظار الرب والصبر له، أي: بالمحافظة على طاعته، والصبر على ذلك، ونهى عن الغيرة من الذي ينجح في عمل الشر، وأمر بالكف عن الغضب، وترك السخط، ولا يضر الإنسان ما يفعله الأشرار.
ثم قرر بعد هذا الذكر كله أن عاملي الشر يقطعون، والذين ينتظرون الرب هم الذين يرثون الأرض، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
ثم ذكر أن الشرير وهو الشيطان وأتباعه سيهلكون، وأما الودعاء الصالحون فهم يرثون الأرض، ويتلذذون في كثرة السلامة، وهذا يكون على الوجه الأكمل بعد نزول عيسى كما سبق بيانه.
ثم ذكر المزمور المزيد من الذكر وقال: "الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد".
[ ١١١ ]
وهذا الذي ذكر في هذا المزمور إخبار بما سيكون عليه حال الأمة الإسلامية في آخر الزمان.