أخبرنا ربنا - ﵎ - أن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
فكل مؤمن تقي، فهو لله ولي، وقد يخرق الله - ﵎ - لبعض أوليائه العادات، ولكن الذين خرقت لهم العادات لا يكونون أولياء إلا إذا كانوا مؤمنين أتقياء، أما الكفار وأهل البدع الضالون الذين تخرق لهم العادات، فتراهم لا يصلون، ولا يتوضؤون، تراهم مخالفين للكتاب والسنّة، ثم تراهم يطيرون في الهواء، ويمشون على الماء، فهؤلاء ضالون
[ ٩٦ ]
ليسوا من الولاية في شيء، وكثير من الكفرة والمشركين من اليهود النصارى وغيرهم يجري على يديه بعض الخوارق، وهذه الخوارق أحوال شيطانية، وليست بأحوال رحمانية.
وأولياء الرحمن المؤمنون المتقون - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - نوعان: الأبرار أصحاب اليمين؛ والسابقون المقربون، فالأولون هم المقربون إلى الله بفعل ما فرضه وترك ما حذَّره؛ والآخرون هم الذين يتقربون إليه بعد الواجبات بالنوافل المستحبات، كما روى البخاري في صحيحه [ورقمه: ٦٥٠٢] عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرّب إليّ عبدٌ بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه».
فقد بيَّن - ﷺ - في هذا الحديث نوع أولياء الله المتقربين بالفرائض، ونوع أهل النوافل بالمحبة، وما لم يكن من الواجبات ولا من المستحبات، ولم يأمر الله به ورسوله لا أمر إيجاب ولا استحباب، ولا فضَّله الله ورسوله بالترغيب فيه، فليس من الأعمال الصالحة، وليس من العبادات التي يتقرَّب بها إلى الله، وإن كان كثيرٌ من عبَّاد المشركين وأهل الكتاب والمبتدعين يتقربون بما يظنونه عبادات، وليس مما أوجب الله ورسوله ولا أحبَّه الله ورسوله، فهؤلاء ضالون مخطئون طريق الله.
[ ٩٧ ]
وهم في الضلال درجات: فمنهم كافر، ومنهم فاسق، ومنهم مذنب، ومنهم مؤمن مخطئ أخطأ في اجتهاده، والخوارق التي تحصل بمثل هذه الأعمال التي ليست واجبةً، ولا مستحبة، بل هي من الأحوال الشيطانية، لا مما يكرم الله به أولياءه، كالخوارق التي تحل بالشرك والكواكب وعباداتها، وعبادة المسيح والعزير وغيرهما من الأنبياء، وعبادة الشيوخ الأحياء والأموات، وعبادة الأصنام، فإن هؤلاء قد تجعل لهم أرواحٌ تخاطب ببعض الأمور الغائبة، ولكن لا بد أن يكذبوا مع ذلك، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]. وقد تقتل بعض الأشخاص أو تمرضه، وقد تأتيه بما تسترقه من الناس، إما دراهم وإما طعام وإما شراب أو لباس أو غير ذلك. وهذا كثير جدًا.
فمن كذَّب بمثل هذه الخوارق فهو جاهل بالموجودات، ومن ظنّ أن هذه كرامات أولياء الله المتقين فهو كافرٌ بدين رب الأرض والسماوات، بل هذه من جنس أحوال الكهنة والسحرة، مثل مكاشفة عبد الله بن صيّاد للنبي - ﷺ -، وكان قد ظنّه بعض الصحابة الدجَّال، ولم يكن هو الدجال، وتوقف فيه النبي - ﷺ - حتى تبيّن له أنه ليس هو الدجال، لكن كان له حالٌ شيطاني، فقال له النبي - ﷺ -: «قد خبأت لك خبيئةً» [مسلم: ٢٩٢٤]، فقال: الدُّخ الدُّخ، وكان قد خبأ له سورة الدخان، فقال له النبي - ﷺ -: «اخسأ، فلن تعدو قدرك، فإنما أنت من إخوان الكهَّان». وقال له: «ما ترى؟» قال: أرى عرشًا على الماء، وقال: يأتيني صادقٌ وكاذب. [أخرجه مسلم: (٢٩٢٥، والترمذي: ٢٢٤٧ عن أبي سعيد الخدري]. وذلك العرش هو عرش إبليس. وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر، عن النبي - ﷺ -: «إن الشيطان ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه» [مسلم: ٢٨١٣].
[ ٩٨ ]
وأما كرامات أولياء الله تعالى فيها الإيمان والتقوى، سببها ما أمر الله به من الأعمال والواجبات والمستحبات، وأكابر أولياء الله يقتدون بنبيهم - ﷺ -، فلا يستعملون الخوارق إلا لحاجة المسلمين، أو لحجَّةٍ في الدين، كما كان النبي - ﷺ - إنما تجري الخوارق على يديه لحجَّةٍ للدين أو لحاجة المسلمين، كتكثير الطعام والشراب عند الحاجة.
والأحوال التي تحصل عند سماع المكاء والتصدية والشرك كلُّها شيطانية، ولهذا تبطل أحوالهم إذا قرئت عليهم آية الكرسي، فإنها تطرد الشيطان، وإذا أرادوا دعوا شيوخهم وتوجَّهوا إلى ناحيتهم جاءتهم الشياطين، وقد تتكلم على ألسنتهم حال الوجد الشيطاني بكلام لا يفهمه صاحبه إذا افاق، كما يتكلم الجني على لسان المصروع، وقد يطير أحدهم في الهواء، فهذا ونحوه من الأحوال الشيطانية.
وأما كرامات أولياء الله كمثل ما جرى للعلاء بن الحضرمي لما غزا البحرين، فمشى هو والعسكر الذي معه بخيولهم على البحر، فما ابتلت لبود سروجهم، وكذلك أبو مسلم الخولاني ومن معه، ومثل صلاة أبي مسلم ركعتين لما ألقاه الأسود العنسي في النار، فصارت عليه بردًا وسلامًا. [جامع المسائل: ٢/ ٩٨ - ١٠١ لشيخ الإسلام ابن تيمية].