جمع شيخنا الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى روايات الحديث الذي يخبر الرسول - ﷺ - فيه ما يقع للبعد عندما يأتيه الموت، وما يجري له بعد الموت، ومن تأمل في هذا الحديث بصدق، رزقه الله - إن شاء الله - التقوى، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله - ﷺ -[مستقبل القبلة]، وجلسنا حوله، وكأن، على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، [فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثًا]، فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين، أو ثلاثًا، [ثم قال: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر»] [ثلاثًا]، ثم قال:
«إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، (وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب
[ ٤٢ ]
السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، [فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض».
قال: «فيصعدون بها فلا يمرون - يعني - بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، [﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١] فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال]: أعيدوه إلى الأرض، فإني [وعدتهم أني] منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فـ[يرد إلى الأرض، و] تعاد روحه في جسده، [قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه] [مدبرين].
فيأتيه ملكان [شديدا الانتهار] فـ[ينتهرانه، و] يجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - ﷺ -، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدقت، [فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[ ٤٣ ]
[إبراهيم: ٢٧]، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ -، فينادي منادٍ في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدَّ بصره».
قال: «ويأتيه [وفي رواية: يمثل له] رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، [أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم]، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: [وأنت فبشرك الله بخير] من أنت، فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح [فو الله ما علمتك إلا كنت سريعًا في إطاعة الله، بطيئًا في معصية الله، فجزالك الله خيرًا]، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، [فيقال له: اسكن]».
قال: «وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد]، سود الوجوه، معهم المسوح (١) [من النار]، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيئة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السَّفود [الكثير الشعب] من الصوف المبلول، [فتقطع معها العروق والعصب]، [فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم]، فيأخذهما، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن
_________________
(١) جمع المسح، بكسر الميم، وهو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفًا وقهرًا للبدن.
[ ٤٤ ]
ريح جيفه وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، [ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدها، ومنها أخرجهم تارة أخرى]، فتطرح روحه [من السماء] طرحًا [حتى تقع في جسده] ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، فتعاد روحه في جسده، [قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه].
ويأتيه ملكان [شديدا الانتهار، فينتهر أنه، و] يجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ [فيقول: هاه هاه (١) لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ها هاه لا أدري]، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقول: ها هاه لا أدري [سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دريت]، [ولا تلوت]، فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه.
_________________
(١) هي كلمة تقال في الضحك وفي الإيعاد، وقد تقال للتوجع، وهو أليق بمعنى الحديث، والله أعلم. كذا في (الترغيب).
[ ٤٥ ]
ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقولك [وأنت فبشرك الله بالشر] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، [فو الله ما علمت إلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله]، [فجزاك الله شرًا، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة! لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصبح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار]، فيقول: رب لا تقم الساعة».
[قال شيخنا الألباني في تخريجه: أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١) والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠) والطيالسي (رقم ٧٥٣) وأحمد (٤/ ٢٨٧) و٢٨٨ و٢٩٥ و٢٩٦) والسياق له والآجري في "الشريعة" (٣٦٧ - ٣٧٠). وروى النسائي (١/ ٢٨٢) وابن ماجه (١/ ٤٦٩) - ٤٧٠) القسم الأول منه إلى قوله: "وكأن على رؤوسنا الطير"، وهو رواية لأبي داود (٢/ ٧٠) بأخصر منه وكذا أحمد (٤/ ٢٩٧) وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وأقره الذهبي، وهو كما قالا، وصححه ابن القيم في "إعلام الموقعين" (١/ ٢١٤) و"تهذيب السنن" (٤/ ٣٣٧)، ونقل فيه تصحيحه عن أبي نعيم وغيره].