تقديم:
الفضيل بن عياض عالم امتلأ قلبه من خشية الله، فصام كثيرًا من أيامه، وقام لياليه، جاءه الخليفة هارون الرشيد، فأسمعه ما رقَّ له قلبه وأوجعه، وأبكى عينه، وعرض عليه الدنيا، فأبى أن يأخذ منها شيئًا، اعتنى في وعظه بمعالجة القلوب، وكان همَّه العناية بنفسه قبل غيره.
ترجمته:
١ - التعريف به:
قال ابن الجوزي: الفضيل بن عياض التميمي، يكنى أبا علي، ولد بخراسان، وقدم الكوفة، وهو كبير، فسمع بها الحديث، ثم تعبد، وانتقل إلى مكة، فمات بها.
[ ١٧٣ ]
٢ - من كلام الفضيل بن عياض:
أ - عن إبراهيم بن أحمد الخزاعي قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لو أن الدنيا كلها بحذافيرها جعلت لي حلالًا، لكنت أتقذّرها.
ب - وعن أبي الفضل الخزاز قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: أصلح ما أكون أفقر ما أكون، وإني لأعصي الله، فأعرف في خلق حماري وخادمي.
ج - وعن إسحاق بن إبراهيم قال: كانت قراءة الفضيل حزينة شهية بطيئة مترسّلة، كأنه يخاطب إنسانًا، وكان إذا مرّ بآية فيها ذكر الجنة يردّدها.
وكان يلقى له حصير بالليل في مسجده، فيصلي من أول الليل ساعة، حتى تغلبه عينه، فيلقي نفسه على الحصير، فينام قليلًا، ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم هكذا حتى يصبح.
د - قال: وسمعت الفضيل يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم مكبّل كبّلتك خطيئتك.
هـ - وعن مهران بن عمرو الأسدي قال: سمعت الفضيل بن عياض عشية عرفة بالموقف، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول: واسوأتاه، وافضيحتاه، وإن عفوت.
ز - وعن أحمد بن سهل قال: قدم علينا سعد بن زنبور، فأتيناه، فحدثنا، قال: كنا على باب الفضيل بن عياض، فاستأذنا عليه، فلم يؤذن لنا، فقيل لنا: إنه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن. قال: وكان معنا رجل مؤذن وكان صيّتًا، فقلنا له اقرأ: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] ورفع بها صوته، فأشرف علينا
[ ١٧٤ ]
الفضيل، وقد بكى حتى بلَّ لحتيه بالدموع، ومعه خرقة ينشف بها الدموع من عينيه، وأنشأ يقول:
بلغت الثمانين أو جزتها فما أؤمّل أو أنتظر؟
أتى لي ثمانون من مولدي وبعد الثمانين ما ينتظر؟
علتني السنون فأبلينني
قال ثم خنقته العبرة، وكان معنا علي بن خشرم فأتمّه لنا، فقال:
علتني السنون فأبلينني فرقّت عظامي وكلَّ البصر
ح - عن أبي جعفر الحذّاء، قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذ الوادي، فقلت له: إن كنت تظنَّ أنه بقى على وجه الأرض شر مني ومنك، فبئس ما تظن.
ط - عن الحسين بن زياد قال: دخلت على فضيل يومًا فقال: عساك إن رأيت في ذلك المسجد، يعني المسجد الحرام، رجلًا شرًا منك، إن كنت ترى أن فيه شرًا منك فقد ابتليت بعظيم.
ك - عن يونس بن محمد المكي قال: قال فضيل بن عياض لرجل: لأعلّمنك كلمة هي خير من الدنيا وما فيها، والله لئن علم الله منك إخراج الآدمين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره؛ لم تسأله شيئًا إلا أعطاك.
ل - وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه، فأغلق دونك أبواب المغفرة، وأنت تضحك كيف ترى تكون حالك.
[ ١٧٥ ]
م - وعن محمد بن حسان السمني، قال: شهدت الفضيل بن عياض، وجلس إليه سفيان بن عيينة، فتكلم الفضيل فقال: كنتم معشر العلماء سرج البلاد، يستضاء بكم فصرتم ظلمةً، وكنتم نجومًا يهتدى بكم، فصرتم حيرة، ث لا يستحي أحدكم أن يأخذ مال هؤلاء الظَّلمة، ثم يسند ظهره يقول: حدثنا فلان عن فلان، فقال سفيان: لئن كنا لسنا بصالحين فإنّا نحبّهم.
٣ - الفضيل بن عياض يعظ هارون الرشيد:
وعن الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين الرشيد فأتاني، فخرجت مسرعًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليّ أتيتك، فقال: ويحك قد حكَّ في نفسي شيء (١)، فانظر لي رجلًا أسأله، فقلت: ها هنا سفيان بن عيينة. فقال: امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعًا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليَّ أتيتك، فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله.
فحدَّثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، فقال: أبا عباس اقض دينه، فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئًا، انظر لي رجلًا أسأله، فقلت له: هاهنا عبد الرزاق بن همام، قال: امض بنا إليه. فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعًا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليَّ أتيك، قال: خذ لما جئناك له.
فحادثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: أبا عباس، اقض دينه.
_________________
(١) يقال: حكَّ في صدري شيء. أي عمل وأثر.
[ ١٧٦ ]
فلما خرجنا قال: ما أغنى صاحبك شيئًا، انظر لي رجلًا أسأله.
قلت: هاهنا الفضيل بن عياض. قال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها، فقال: اقرع الباب، فقرعت الباب، فقال: من هذا فقلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أما عليك طاعة؟ أليس قد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ليس للمؤمن أن يذل نفسه»، فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة، فأطفأ المصباح، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت.
فدخلنا، فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كفُّ هارون قبلي إليه. فقال: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدًا من عذاب الله ﷿، فقلت في نفسي: ليكلمنَّه الليلة بكلام نقي من قلب تقي.
فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله، فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا عليَّ، فعدَّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك من الموت، وقال له محمد بن كعب القرظي: إن أردت النجاة من عذاب الله، فليكن كبير المسلمين عندك آبًا، وأوسطهم عندك أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقِّر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك.
وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله ﷿، فأحبَّ للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت وإني أقول لك: إني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله من يشير عليك بمثل هذا؟
[ ١٧٧ ]
فبكى هارون بكاء شديدًا حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين فقال: يا بن أم الربيع تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا، ثم أفاق، فقال له: زدني رحمك الله فقال:
يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه، فكتب إليه عمر: يا أخي، أذكِّرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء، قال: فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فقال له ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية أبدًا، حتى ألقى الله ﷿.
قال: فبكى هارون بكاءً شديدًا، ثم قال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفى - ﷺ - جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أمّرني على إمارة، فقال له النبي - ﷺ -: «إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل».
فبكى هارون بكاءً شديدًا، وقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عز جل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غشّ لأحد من رعيتك، فإن النبي - ﷺ -: قال: «من أصبح لهم غاشًا لم يرح رائحة الجنة» [أخرجه البخاري في الباب الثامن من كتاب الأحكام ومسلم في الإمارة باب فضيلة الأمير العادل، ومعناه أن يكون مستحلًا لغشهم].
فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجّتي، قال: إنما أعني دين العباد، قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمر ربي أن أوحّده، وأطيع
[ ١٧٨ ]
أمره، فقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِّنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقوَّ بها على عبادتك، فقال: سبحان الله أنا أدلّك على طريق النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلَّمك الله ووفقك.
ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال هارون: أبا عباس، إذا دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين.
فدخلت عليه امرأة من نسائه، فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به، فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبة، فلا كبر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل، فعسى أن يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج، فجلس في السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا، قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصر فرحمك الله، فانصرفنا.
وقد أسند الفضيل عن جماعة من كبار التابعين منهم الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعطاء بن السائب، وحصين بن عبد الرحمن، ومسلم الأعور، وأبان بن أبي عياش، وروى عنه خلق كثير من العلماء [صفة الصفوة ٢/ ٢٣٧ - ٢٤٧].
[ ١٧٩ ]