تقديم:
هذا رجل قلَّ نظيره من الرجال، طلب حديث رسول الله - ﷺ -، فجال في المشارق والمغارب، وجمع من حديث رسول الله - ﷺ - أكثر من حمل اثني عشر بعيرًا، كان يحفظها كلها.
ووقف في وجه الخليفة المأمون ومن ورائه المعتصم، اللذين أرادا أن يقررا العقيدة الباطلة التي تزعم أن القرآن مخلوق، فوقف في وجوههما، وقوف الجبال الشمِّ الراسيات، وحفظ الله به دين المسلمين، لم تلن قناته، ولا وهن عزمه، ولا هدَّته السياط التي أنزلها الحكام على جسده.
وابتلي بالدنيا، فقد قربه الخلفاء، وأغدقوا عليه الدنيا، فأبى أن يدنس نفسه بمتاعها الفاني، ومتعها الزائلة، علَّم العلم، وهدى الخلق، ووقف نفسه على ربه، فعاش إمامًا، ومات إمامًا، فأحبته الأمة حيًّا وميتًا، ﵀ رب العالمين.
ترجمته:
١ - التعريف به ونسبه: قال ابن الجوزي: أحد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، جيء به من مرو حملًا، فولد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، فأما نسبه فأخبرنا أبو منصور القزاز قال: أبنأنا أبو بكر بن ثابت، قال: أنبأنا أحمد بن عبد الله الحافظ: أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: أنبأنا عبد الله ابن أحمد، حدثنا أبي أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب
[ ١٨٠ ]
ابن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن تزار بن معد بن عدنان بن أدّب بن أدد بن الهميسع بن جمل بن النبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵇.
٢ - عمله في بداية أمره: عن أبي بكر المروزي قال: قال لي أبو عفيف - وذكر أبا عبد الله أحمد بن حنبل - فقال: كان في الكتّاب معنا وهو غليّم يعرف فضله وكان الخليفة بالرقّة فيكتب الناس إلى منازلهم (١)، فيبعث نساؤهم إلى المعلّم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل، ليكتب لهم جواب كتبهم، فيبعثه، فكان يجيء إليهم مطأطئ الرأس، فيكتب جواب كتبهم، فربما أملو عليه الشيء من المنكر، فلا يكتبه لهم.
٣ - تواضعه: عن إدريس بن عبد الكريم قال: قال خلف: جاءني أحمد بن حنبل يستمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أرفعه، فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
٤ - مدى حفظه للحديث: عن أبي زرعة قال: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.
قال أبو جعفر بن أحمد بن محمد بن سليمان التُّستريّ: قيل لأبي زرعة: من رأيت من المشايخ المحدّثين أحفظ؟ فقال: أحمد بن حنبل، حزرت كتبه اليوم الذي مات فيه، فبلغت اثني عشر حملًا، وعدلًا (٢)، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حديث فلان، وكل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه.
_________________
(١) أي أن الناس الذين كانوا مع الخليفة بالرقة يكتبون الرسائل إلى ذويهم.
(٢) العدل: نصف حمل.
[ ١٨١ ]
وعن إبراهيم الحربي قال: رأيت أحمد بن حنبل كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء ويمسك ما شاء.
وعن أحمد بن سنان قال: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيمًا منه لأحمد ابن حنبل، ولا رأيته أكرم احدًا كرامته لأحمد بن حنبل: وكان يقعد إلى جنبه إذا حدّثنا، وكان يوقّره ولا يمازحه، ومرض أحمد فركب إليه فعاده.
قال المصنف ﵀: قلت: كانت مخايل النّجابة تظهر من أحمد - ﵁ - من زمان الصِّبا، وكان حفظه للعلم من ذلك الزمان غزيرًا، وعمله به متوفرًا، فلذلك كان مشايخه يعظّمونه، فكان إسماعيل ابن عليّة يقدّمه وقت الصلاة يصلّي بهم، وضحك أصحابه يومًا فقال: أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟
وكان ابن مهدي يقول: ما نظرت إليه إلا ذكرت به سفيان الثوري، ولقد كاد هذا الغلام أن يكون إمامًا في بطن أمة.
٥ - شيء من سيرته: عن أبي بكر المروزي قال: كنت مع أبي عبد الله نحوًا من أربعة أشهر بالعسكر، لا يدع قيام الليل وقراءة النهار، فما علمت بختمةٍ ختمها، كان يسرُّ ذلك.
وعن أبي عصمة بن عصام البيهقي قال: بتّ ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر في الماء، فإذا هو كما كان، فقال: سبحان الله، رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل؟
وعن أبي داود السجستاني قال: لم يكن أحمد بن حنبل يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم.
وعن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: جالست أبا يوسف ومحمد بن الحسن ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي فما هبت أحدًا منهم ما هبت
[ ١٨٢ ]
أحمد بن حنبل، ولقد دخلت عليه في السجن لأسلّم عليه، فسألني: رجل عن مسألةٍ فلم أجبه هيبةً له.
وعن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: ما أعلم أني رأيت أحدًا أنظف ثوبًا ولا أشدّ تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا وأشدَّه بياضًا من أحمد بن حنبل.
وعن علي ابن المديني قال: قال لي أحمد بن حنبل: إني لأحب أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني من ذاك إلا أني أخاف أن أملّك أو تملّني. قال: فلما ودّعته قلت: يا أبا عبد الله توصيني بشيء؟ قال: نعم ألزم التقوى قلبك، والزم الآخرة أمامك.
وقال أبو داود السجستاني: كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط.
وعن إبراهيم الحربي قال: كان أحمد بن حنبل يأتي العرس والختان والإملاك، يجيب ويأكل.
وعن إسحاق بن راهويه قال: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمّالين، إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة، فلم يقبل من أحد شيئًا.
وعن الرمادي قال: سمعت عبد الرزاق - وذكر أحمد بن حنبل فدمعت عيناه فقال: قدم، وبلغني أن نفقته نفدت، فأخذت عشرة دنانير، وأقمته خلف الباب، وما معي ومعه أحد، وقلت: إنه لا تجتمع عندنا الدنانير، وقد وجدت الساعة عند النساء عشرة دنانير، فخذها فأرجوا ألا تنفقها حتى يتهيأ عندنا
[ ١٨٣ ]
شيء. فتبسم وقال لي: "يا أبا بكر لو قبلت شيئًا من الناس قبلت منك". ولم يقبل.
وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: جاءتني حسن فقالت: يا مولاي قد جاء رجل بتلِّيسةٍ (١) فيها فاكهة يابسة، وبهذا الكتاب، قال صالح: فقمت فقرأت الكتاب فإذا فيه:
يا أبا الله أبضعت لك بضاعة إلى سمرقند، فوقع فيها كذا وكذا، ورددتها فيها كذا وكذا، وقد بعثت بها إليك وهي أربعة آلاف درهم، وفاكهة أنا لقطتها من بستاني، ورثته عن أبي، وأبي ورثه عن أبيه.
قال: فجمعت الصبيان، فلما دخل دخلنا عليه، فبكيت، وقلت له: يا أبة أما ترقُّ لي من أكل الزكاة؟ ثم كشفت عن رأس الصبية، وبكيت فقال: من أين علمت؟ دع حتى أستخير الله تعالى الليلة، قال: فلما كان من الغد قال: يا صالح إني قد استخرت الله تعالى الليلة فعزم لي ألا آخذها، وفتح التلّيسة، ففرّقها على الصبيان، وكان عنده ثوبٌ عشاري (٢) فبعث به إليه وردّ المال، قال صالح: فبلغني أن الرجل اتخذه كفنًا.
وعن علي بن الجهم قال: كان له جار فأخرج إلينا كتابًا فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: هذا خط أحمد بن حنبل، كيف كتب لك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عيينة، ففقدنا أحمد بن حنبل أيامًا لم نره، ثم جئنا إليه لنسأل عنه، فقال لنا أهل الدار التي هو فيها: هو في ذلك البيت، فجئنا إليه
_________________
(١) التليسة (بكسر التاء وتشديد اللام): هنة تسوى من الخوص، فتوضع فيها الزجاجة، وتطلق أيضًا على ما يشبه الكيس.
(٢) أي: ثوب طوله عشر أذرع.
[ ١٨٤ ]
والباب مردود عليه وإذا خلقان، فقلنا له: يا أبا عبد الله ما خبرك؟ لم نرك منذ أيام. قال: سرقت ثيابي. فقلت له: معي دنانير فإن شئت فخذ قرضًا، وإن شئت فصلة، فأبي أن يفعل، فقلت: تكتب لي بأجرة؟ قال: نعم، فأخرجت دينارًا فأبى أن يأخذه، وقال: اشتر لي ثوبًا واقطعه بنصفين، فأومأ إليّ أنه يأتزر بنصف، ويرتدي بالنصف الآخر، وقال جئني بنفقته، ففعلت وجئت بورق فكتب لي وهذا خطّه.
وعن محمد بن موسى بن حماد الزيدي قال: حمل إلى الحسن بن عبد العزيز الجرويِّ من ميراثه من مصر مائة ألف دينار، فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس في كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبد الله، هذه ميراث حلالٍ، فخذها فاستعن بها على عائلتك، فقال: لا حاجة لي فيها، أنا في كفاية، فردَّها ولم يقبل منها شيئًا.
وعن السري بن محمد خال ولد صالح قال: جاء أحمد بن صالح يوضئ أبا عبد الله يومًا، وقد بلّ أبو عبد الله خرقةً فألقاها على رأسه، فقال له أحمد بن صالح: يا جدي أنت محموم، قال أبو عبد الله: وأنّى لي بالحمّى؟
وعن رحيلة قال: كنت على باب أحمد بن حنبل والباب مجافٌ، وأم ولده تكلمه، وتقول له: إنا معك في ضيقٍ، منزل بيت صالح يأكلون ويفعلون، وهو يقول: قولي خيرًا، وخرج الصبي معه، فبكى، فقال له: أيّ شيء تريد؟ قال: زبيب، قال: اذهب فخذ من البقّال حبة.
وعن أبي بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل. وقال: سمعت أبا عبد الله يقول: أسرُّ أيامي إليَّ يومٌ أصبح وليس عندي شيء.
[ ١٨٥ ]
وعن صالح بن أحمد قال: ربما رأيت أبي يأخذ الكسر فينفض الغبار عنها، ثم يصيّرها في قصعة، ثم يصبُّ عليها ماءً حتى تبتلّ، ثم يأكلها بالملح، وما رأيته قطّ اشترى رمّانًا ولا سفرجلًا ولا شيئًا من الفاكهة، إلا أن يكون يشتري بطيخة، فيأكلها بخبزٍ أو عنبًا أو تمرًا، فأما غير ذلك فما رأيته قطّ اشتراه، وربما خبز له فيجعل في فخّاره عدسًا وشحمًا وتمرات شهريز (١)، فيخص الصبيان بقصعة فيصوت ببعضهم، فيدفعه إليهم، فيضحكون، ولا يأكلون، وكان كثيرًا ما يأتدم بالخل، وكان يشترى له شحم بدرهم، فكان يأكل منه شهرًا، فلما قدم من عند المتوكل أدمن الصوم، وجعل لا يأكل الدسم، فتوهّمت أنه كان جعل على نفسه إن سلم أن يفعل ذلك.
وعن النيسابوري صاحب إسحاق بن إبراهيم: قال لي الأمير: إذا جاء إفطاره أرنيه، قال: فجاؤوا برغيفين خبز وخيارة. فأريته الأمير فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يقنعه.
وعن الحسن بن خلف الصائغ قال: جاءني المروزي في علة أبي عبد الله، قال: أبو عبد الله عليل، فذهبت بالمتطبّب، فدخلنا عليه. قال: ما حلك؟ قال: احتجمت أمسٍ. قال: وما أكلت؟ قال: خبزًا وكامخًا (٢) قال: يا أبا عبد الله تحتجم، وتأكل خبزًا وكامخًا؟ قال: فما آكل؟
وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد.
_________________
(١) نوع من التمر مشهور.
(٢) الكامخ: إدام يؤتدم به، وخصه بعضهم بالمخللات.
[ ١٨٦ ]
وقال المروزي: سمعت أبا عبد الله يقول: الخوف يمنعني من أكل الطعام والشراب، فما أشتهيه.
وعن إبراهيم بن شماس قال: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام يحيي الليل.
وعن المروزي، قال سمعت أبا عبد الله يقول: قد وجدت البرد في أطرافي ما أراه إلا من أدماني أكل الخل والملح.
وعن سليمان بن داود الشاذكوني: أن أحمد رهن سطلا عند فاميّ (١) فأخذ منه شيئًا يتقوّته، فجاء فأعطاه فكاكه فأخرج إليه سطلين، فقال: انظر أيهما سطلك؟ فخذه، قال: لا أدري أنت في حلٍّ منه، ومما أعطيتك، ولم يأخذ، قال الفامي: والله إنه لسلطه، وإنما أردت أن أمتحنه فيه.
وعن عبد الله بن أحمد قال: كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق.
وعنه قال: كنت أسمع أبي كثيرًا يقول في دبر الصلاة: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، صنه عن المسألة لغيرك.
٦ - شيء من دعائه: عن أبي عيسى عبد الرحمن بن زاذان قال: صلّينا، وأبو عبد الله أحمد بن حنبل حاضر، فسمعته يقول:
"اللهم من كان على هوى أن على رأي، وهو يظن أنه على الحق وليس هو الحق، فردّه إلى الحق حتى لا يضلّ من هذه الأمة أحدٌ، اللهم لا تشغل قلوبنا
_________________
(١) الفامي: نسبة إلى (فامية) بلدة في العراق.
[ ١٨٧ ]
بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولًا لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشرِّ ما عندنا، ولا ترنا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا من حيث أمرتنا، أعزَّنا ولا تذلّنا، أعزَّنا بالطاعة ولا تذلّنا بالمعصية".
٧ - كان يكره أن يطلب منه الناس الدعاء: وعن علي بن أبي حرارة، قال: كانت أمي مقعدة نحو عشرين سنة، فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل، فسله أن يدعو الله لي، فمضيت، فدققت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: رجل من أهل ذلك الجانب، سألتني أمي وهي زمنة مقعدة أن أسألك أن تدعو الله لها، فسمعت كلامه كلام رجلٍ مغضبٍ، وقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا، فولّيت منصرفًا، فخرجت عجوز من داره، فقالت: أنت الذي كلّمت أبا عبد الله؟ قلت: نعم. قالت: قد تركته يدعو الله لها.
قال: فجئت من فوري إلى البيت، فدققت الباب فخرجت على رجليها تمشي، حتى فتحت لي الباب، وقالت: قد وهب الله لي العافية.
٨ - ثابته على الفتنة في البلاء والرخاء: وعن ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد، فسمعت ضجةً فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يمتحن، فدخلت فلما ضرب سوطًا قال: بسم الله، فلما ضرب الثاني، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] فضرب تسعةً وعشرين سوطًا.
وكانت تكّة أحمد حاشية ثوبٍ فانقطعت، فنزل السراويل عانته، فرمى أحمد طرفه إلى السماء، وحرّك شفتيه، فما كان بأسرع أن بقي السراويل لم ينزل.
[ ١٨٨ ]
فدخلت إليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك تحرّك شفتيك، فأي شيء قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت كثيرًا أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت: يا أبة من أبو الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت: يا أبة من أبو الهيثم؟ فقال: لما أخرجت للسياط، ومدّت يداي للعقابين، إذا أنا بشاب يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. فقال: أنا أبو الهيثم العيّار اللص الطرّار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوطٍ بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان، لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن، لأجل الدين، قال: فضربت ثمانية عشر سوطًا بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفًا، وخرج الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين.
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال لي أبي: يا بني لقد أعطيت المجهود من نفسي، قال: وكتب أهل المطامير إلى أحمد بن حنبل: إن رجعت عن مقالتك ارتددنا عن الإسلام.
وعن أحمد بن سنان قال: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حلٍّ في يوم فتح بابك أو في فتح عمورية فقال: هو في حلّ من ضربي.
وقال إبراهيم الحربي: أحلّ أحمد بن حنبل من حضر ضربه، وكلَّ من شايع فيه والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دواد داعية لأحللته.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل، ورد كتاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين، يعني المتوكل قد وجّه إليك يعقوب المعروف بقوصرة، ومعه جائزة، ويأمرك بالخروج، فالله الله أن تستعفي أو ترد المال، فيّتسع القول لمن يبغضك.
[ ١٨٩ ]
فلما كان من الغد ورد يعقوب، فدخل عليه، فقال: يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول: قد أحببت أن آنس بقربك، وأن أتبَّرك بدعائك، وقد وجّهت إليك عشرة آلاف درهم معونةً على سفرك.
أخرج صرّةً فيها بدرة نحو مائتي دينار، والباقي دراهم صحاح، فلم ينظر إليها، ثم شدّها يعقوب، وقال له: أعود غدًا حتى أبصر ما تعزم عليه وانصرف.
فجئت بإجّانة خضراء، فكببتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح خذ هذا صيّره عندك، فصيّرتها عند رأسي فوق البيت، فلما كان سحرًا إذا هو ينادي: يا صالح، فقمت فصعدت إليه، فقال: ما نمت ليلتي هذه، فقلت: لم يا أبة؟ فجعل يبكي، وقال: سلمت من هؤلاء، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، قد عزمت على أن أفرّق هذا الشيء إذا أصبحت، فقلت: ذاك إليك، فلما أصبح قال: جئني يا صالح بميزان؛ وقال: وجّهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار. ثم قال: وجّه إلى فلان، يفرّق في ناحية، وإلى فلان، فلم يزل حتى فرّقها كلّها، ونفضت الكيس، ونحن في حالةٍ الله تعالى بها عليم.
فجاء بنيّ لي فقال: يا أبة أعطني درهمًا، فنظر إليّ، فأخرجت قطعةً، فأعطيته، وكتب صاحب البريد: إنه قد تصدق بالدراهم من يومه، حتى تصدّق بالكيس.
قال عليّ بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين: قد علم الناس أنه قد قبل منك، وما يصنع أحمد بالمال؟ وإنما قوته رغيف. فقال لي: صدقت يا عليّ.
قال صالح: ثم أخرجنا ليلًا معنا حراس، معهم النفّاطات (١)، فلما أضاء الفجر قال لي: يا صالح معك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم، فأعطيتهم
_________________
(١) ضرب من السرج يستصبح به، أو أدوات من النحاس يرمى فيا بالنفط والنار.
[ ١٩٠ ]
درهمًا درهمًا، ودخلنا العسكر، وأبي منكّس الرأس، ثم أنزل دار إيتاخ، وجاء عليّ بن الجهم، فقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فرّقها، وأمر أن لا يعلم بذلك فيغتمّ.
ثم جاءه أحمد بن معاوية فقال: إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويشتهي قربك، وتقيم ههنا تحدّث؟ فقال: أنا ضعيف.
ثم حمل إلى دار الخلافة. فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعدًا وراء ستر، فلما دخل أبي الدار قال لأمه: يا أماه قد أنارت الدار. ثم جاء خادم بمنديل فيه ثياب فألبس، وهو لا يحرك يديه، فلما صار إلى الدار نزع الثياب عنه، ثم جعل يبكي، ثم قال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم؟ ثم قال: يا صالح وجّه هذه الثياب إلى بغداد تباع وتصدّق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم شيئًا منها.
وأجريت له مائدة وثلج، وضرب الخيش، فلما رآه تنحّى، فألقى نفسه على مضربةٍ له، وجعل يواصل ويفطر في كل ثلاثةٍ على تمرٍ شهريز. فمكث كذلك خمسة عشر يومًا، ثم جعل يفطر ليلةً وليلةً، ولا يفطر إلا على رغيف، وكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكي لا يراها، فيأكل من حضر.
وأمر المتوكل أن تشترى لنا دار، فقال: يا صالح لئن أقررت لهم بشراء دار، لتكونن القطيعة بيني وبينك، فلم يزل يدفع شرى الدار حتى اندفع.
ثم انحدرت إلى بغداد، وخلّفت عبد الله عنده، فإذا عبد الله قد قدم، وقد جاء بثيابي التي كانت عنده، فقلت له: ما جاء بك؟ فقال: قال لي: انحدر، وقل لصالح: لا تخرج، فأنتم كنتم آفتى، والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحدًا منكم معي، ولولا مكانكم لمن كانت توضع هذه المائدة؟
[ ١٩١ ]
وفي رواية أخرى: ثم إنه مرض، فأذن له المتوكل في العود إلى بغداد فعاد.
٩ - وفاة الإمام أحمد: توفي - ﵁ - في سنة إحدى وأربعين ومائتين، وقد استكمل سبعًا وسبعين سنة.
قال المروزي: مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ومرض تسعة أيام وتسامع الناس، فأقبلوا لعيادته، ولزموا الباب الليل والنهار يبيتون، فربما أذن للناس، فيدخلون أفواجًا يسلّمون عليه، فيرد عليهم بيده.
وقال أبو عبد الله: جاءني حاجبٌ لابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك، فقلت له: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره.
ووضأته فقال: خلّل الأصابع، فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس، حتى ملؤوا السكك والشوارع، فلما كان صدر النهار قبض ﵀، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجّت.
وعن إسحاق قال: مات أبو عبد الله وما خلّف إلا ست قطع أو سبع، وكانت في خرقةٍ كان يمسح بها وجهه قدر دانقين.
وعن حنبل قال: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أبا عبد الله وهو في الحبس ثلاث شعرات فقال: هذا من شعر النبي - ﷺ -، فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يجعل على كل عين شعرة، وشعرة على لسانه، ففعل ذلك به بعد موته.
وعن صالح بن أحمد قال: قال لي أبي جئني بالكتاب الذي فيه حديث ابن إدريس عن ليث عن طاووس أنه كان يكره الأنين، فقرأته عليه، فلم يئنّ إلا في الليلة التي مات فيها.
[ ١٩٢ ]
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده، وبيدي الخرقة لأشد بها لحييه، فجعل يعرق ثم يفيق، ثم يفتح عينيه، ويقول ببيده هكذا: لا بعد لا بعد، ففعل هذا مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبة أي شيء هذا، قد لهجت به في هذا الوقت، تعرق حتى نقول: قد قضيت، ثم تعود فتقول: لا بعد، لا بعد.
فقال لي: يا بني ما تدري ما قلت؟ قلت: لا. فقال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاضّ على أنامله يقول لي: يا أحمد فتَّني، فأقول: لا بعد، لا بعد، حتى أموت.
وعن بنان بن أحمد القصباني أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل فيمن حضر، قال: فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة، وحزر من حضرها من الرجال ثمان مائة ألف، ومن النساء ستين ألف امرأة.
وعن موسى بن هارون قال: يقال: إن أحمد بن حنبل لما مات مسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس عليها للصلاة فحزر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر، سوى ما كان في الأطراف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف.
وقال أبو بكر المروزي: رأيت أحمد بن حنبل في النوم كأنه في روضة، وعليه حلّتان خضراوان، وعلى رأسه تاج من النور، وإذا هو يمشي مشيةً لم أكن أعرفها، فقلت: يا أحمد ما هذه المشية التي لم أكن أعرفها لك؟ فقال: هذه مشية الخدّام في دار السلام، فقلت: ما هذا التاج الذي أراه على رأسك؟ فقال: إن ربي ﷿ أوقفني، وحاسبني حسابًا يسيرًا، وحباني وقرّبني وأباحني
[ ١٩٣ ]
النظر إليه، وتوّجني بهذا التاج، وقال لي: يا أحمد، هذا تاج الوقار توّجتك به كما قلت: القرآن كلامي غير مخلوق.
وعن أبي يوسف بن لحيان قال: لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل في منامه كأن على كل قبر قنديلًا فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنه نوّر لأهل القبور قبورهم بنزول هذا الرجل بين أظهرهم، قد كان فيهم من يعذَّب فرحم.
وعن أبي علي بن البناء قال: لما ماتت أم القطيعي دفنها في جوار أحمد بن حنبل، فرآها بعد ليال، فقال: ما فعل الله بك؟ فقالت: يا بني رضي الله عنك، فلقد دفنتني في جوار رجل تنزل على قبره في كل ليلةٍ - أو قال في كل ليلة جمعةٍ - رحمةٌ، تعمّ جميع أهل المقبرة، وأنا منهم [صفة الصفوة: ٢/ ٣٣٦ - ٣٥٩].