تقديم:
أم سليم صحابية أنصارية، أسلمت فملك عليها الإسلام نفسها، فلم يبق لغير الإسلام فيها شيء، لم تجامل زوجها الكافر، فرحل عنها، ومات غريبًا كافرًا، وتزوجت بعده أحد أثرياء المدينة، وكان كافرًا، فجلعت مهرها منه
[ ١٢٦ ]
إسلامه، وجاء الرسول - ﷺ - المدينة مهاجرًا، فجعلت ابنها أنسًا خادمًا له، فخدمه عشر سنين، فاستفاد صحبته وعلمه وأدبه وكونت أم سليم أسرة ظللها الإسلام بظلَّه، واتصلت هذه الأسرة برسول الله - ﷺ -، ففاز أعضاؤها كلهم، وسعدوا.
ترجمة أم سليم:
١ - التعريف بأم سليم: اشتهرت هذه المرأة الصالحة بكنيتها، وهي أم سليم، وأصحُّ ما قيل في اسمها أنها الغميصاء أو الرُّميصاء، وهي بنت ملحان ابن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، الخزرجية الأنصارية [سير أعلام النبلاء: ٢/ ٣٠٤].
وهي والدة الصحابي الجليل أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ -، جاء الإسلام، فشرق زوجها بالإسلام، وخرج من المدينة، وهلك بالشام.
٢ - زواج مهره إسلام الزوج: خطب أم سليم بعد هلاك زوجها أبو طلحة، وهو زيد بن سهل بن الأسود النجاري الخزرجي، فقالت له: "أنت كافر، وأنا مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري، فأسلم، وحسن إسلامه، وصحب رسول الله - ﷺ - في غزواته، وبقى مجاهدًا من بعده، وتوفي في سفينة تجري على ثبج البحر، ودفنوه بعد سبعة أيام في جزيرة نائبة غير معروفة".
٣ - قوة علاقة الرسول - ﷺ - بها وبأسرتها: وكان رسول الله - ﷺ - يأتي بيتها، وكان يقبل عندها، وكانت تجمع عرق رسول الله - ﷺ - إذا نام، وتضعه في قوارير، وتدوف به طيبها، وطيب أهلها، وكانت تهدي لرسول الله - ﷺ - من تمر بساتين زوجها، فيقبله منها، وكان زوجها يدعو رسول الله - ﷺ -، فيأتي صحبة العدد الكبير من أصحابه، فيدعو الرسول - ﷺ - بالطعام القليل، فيكفي العدد الكثير.
[ ١٢٧ ]
وقد دعا لها الرسول - ﷺ -، ودعا لابنها أنس، وأخبر أنها في الجنة.
٤ - قوة قلبها: وكانت تصحب زوجها في غزواته مع رسول الله - ﷺ -، وقد اتخذت في بعض تلك الغزوات خنجرًا لتجأ به بطن من يقترب منها من الكفار.
٥ - قوة شخصيتها وقوة فقهها في دينها: وقد كانت أم سليم قوية الشخصية، تعقل ما تسمعه، وتتصرف وفق ما تراه صوابًا، وقد رأينا كيف سارعت إلى الدخول في الإسلام، وكيف اقتنعت به، واستوعبت أنه الحق، وأن غيره من الأديان باطل، وبخاصة تلك الأصنام التي كانت تعبد في المدينة المنورة والجزيرة العربية، لقد فقهت أنها آلهة باطلة، لا تستحق أن تعبد من دون الواحد الأحد، وقد عارضها زوجها مالك بن النضر فيما ذهبت إليه، فلم تلتفت إلى معارضته، وكانت تلقن ابنها الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فلا يرضي تصرفها زوجه، ويحاول أن يصدها عن ذلك، فلا تقبل منه.
وعندما كانت تفعل ذلك، وتقول لأنس: "قل: لا إله إلا الله، قل: أشهد أن محمدًا رسول الله" كان يقول لها زوجها: لا تفسدي عليّ ابني، فتقول: "إنني لا أفسده" [طبقات ابن سعد: ٤٢٥ - ٤٢٦] وقد رأى منها زوجها ما عكَّر مزاجه، وأطار صوابه، فخرج من المدينة إلى الشام، وهناك هلك.
٦ - كيف اختارت زوجها: مات الزوج، وأصبحت أم سليم غير ذات زوج، وطمع في الاقتران بها بعض أفذاذ الرجال، لقد جاءها أبو طلحة خاطبًا، وكان مثله مناسبًا، تتمناه أي امرأة في المدينة، ولكنها بسهولة ويسر حسمت أمرها، وخاطبته بوضوح وصراحة: "يا أبا طلحة، ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة، لا يصح لي أن أتزوجك".
[ ١٢٨ ]
وقالت له أيضًا: "فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام، فإن تسلم فذلك مهري، ولا أسألك غيره" [الطيالسي: ٢٠٥٦، بوساطة: أحكام الجنائز: ص ٢٤].
وقالت لأبي طلحة قبل أن يدخل الإسلام تحاجّه: "أرأيت حجرًا تعبده، لا يضرك ولا ينفعك، أو خشبه تأتي بها النجار، فينجرها لك، هل يضرك؟ هل ينفعك؟ ".
قال أبو طلحة: "فوقع في قلبي الذي قالت" [سير أعلام النبلاء: ٢/ ٣٠٥، هامش الكتاب نقلًا عن ابن سعد في الطبقات: ٨/ ٤٢٦].
وذكر ابن سعد في طبقاته [بإسناد صحيح، ٨/ ٤٢٦ - ٤٢٧] أن أم سليم قالت لأبي طلحة: "إنه لا ينبغي أن أتزوج مشركًا، أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم ينحتها عبد آل فلان، وأنكم لو أشعلتهم فيها النار لاحترقت؟ ".
لقد كانت الحجج التي ساقتها أم سليم حججًا قوية، سهلة الفهم، فاقتنع أبو طلحة، ودخل في الإسلام، وكان إسلامه هو المهر الذي طلبته الزوجة، لم ترد المال والملابس والذهب والفضة، إنها تريد الإسلام دون سواه، لتقترن به.
٧ - عناية أم سليم باليتيمة التي كفلتها: وجاءت أم سليم يتيمة لها، وشكت إليها أن رسول الله - ﷺ - لقيها، فدعا عليها بأن لا يكبر سنُّها، فأذهلها ما سمعت وانطلقت إلى الرسول - ﷺ - مسرعة تلوث خمارها، حتى لقيته، فوضَّح لها ما غاب عنها، فعن أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس (١)، فرأى رسول الله - ﷺ - اليتيمة، فقال: «آنت هية؟ لقد كبرت، لا
_________________
(١) يعني أم سليم هي أم أنس.
[ ١٢٩ ]
كبر سنُّك» فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك يا بنية! قالت الجارية: دعا عليّ نبيّ الله - ﷺ - أن لا يكبر سنِّي، فالآن لا يكبر سنِّي أبدًا، أو قالت: قرني.
فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمرها، حتى لقيت رسول الله - ﷺ -، فقال لها رسول الله - ﷺ -: "ما لك يا أمَّ سليم! " فقالت: يا نبي الله! أدعوت على يتيمتي؟ قال: «وما ذاك يا أمَّ سليم!» قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنُّها، ولا يكبر قرنها.
قال: فضحك رسول الله - ﷺ - ثم قال: «يا أمَّ سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشرٌ، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحدٍ دعوت عليه، من أمتي، بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ، أن تجعلها لها طهورًا وزكاة وقربة تقرِّبه بها منه يوم القيامة».
لقد كان الرسول - ﷺ - مقنعًا لأم سليم فيما علل به دعوته، فعادت بعد علمها أن دعوة الرسول تزيد يتيمتها أجرًا، ولا تضيرها.
٨ - قصة أم سليم عندما توفي انبها: كان لأبي طلحة وأم سليم ولد يحبانه حبًّا شديدًا، ومرض الطفل، وتضعضع أبو طلحة لمرض ولده، وفي ويوم خرج أبو طلحة للصلاة مع الرسول - ﷺ - في صلاة العشاء فمات الغلام، فطلبت أم سليم من أهل دارها أن لا يعلم أحد منهم أبا طلحة بموت ولده، فلما عاد مع جمع من أصحابه، سأل عن الغلام، فأخبرته أنه أسكن ما يكون، وقدمت له ولأصحابه العشاء، وبعد أن أويا إلى فراشهما تزينت وتطيبت، فنال منها ما يناله المرء من زوجته، وفي الصباح أخبرته بما كان بطريقة فيها كثير من الروية والحكمة، فالمال والأهلون ودائع، ولا بدّ يومًا أن ترد الودائع.
[ ١٣٠ ]
فأصبح أبو طلحة يخبر الرسول - ﷺ - بما كان منهما في ليلتهما، فقال الرسول - ﷺ -: "اللهم بارك لهما"، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة، فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني، قالت أم سليم: هو أسكن ما كان فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: وراوا الصبي.
فلما أصبح أبو طلحة أتى الرسول - ﷺ - فأخبره فقال: «أعرستم الليلة؟» قال: نعم، قال: «اللهم بارك لهما» فولدت غلامًا.
قال لي أبو طلحة: احفظه حتى تأتي به النبي - ﷺ -، فأتى به النبي - ﷺ -، وأرسلت معه بتمرات، فأخذه النبي - ﷺ - فقال: «أمعه شيء؟» قالوا: نعم، تمرات، فأخذها النبي - ﷺ - فمضغها، ثم أخذ من فيه فجعلها في في الصبي وحنكه به، وسماه عبد الله [البخاري: ٥٤٧٠ مسلم: ٢١٤٤].
قليل من النساء والرجال يستطيع أن يفعل فعل أم سليم، فقد أفرغ الله عليها من الصبر أمرًا عجبًا، فقد عشَّت زوجها وأصحابه، وعندما خرج الضيوف تعطرت وتزينت، وواقعها زوجها، وقد أكرمها الله تعالى، فكانت عاقبتها إلى خير.
٩ - فعل أم سليم في الحروب: كانت أم سليم تخرج مع المقاتلين في الحروب، وتشهد مع رسول الله - ﷺ - غزواته، وكانت تداوي المرضى، وتقوم على الجرحى، وتنقل الماء على ظهرها، فتفرغه في أفواه المقاتلين، وقد نادت الرسول - ﷺ - يوم حنين بعد أن أنزل الله عليه نصره، وأمده بجند من عنده قائلة له: "يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا بك يا رسول الله"، فقال لها الرسول - ﷺ -: «يا أم سليم، إن الله كفانا وأحسن» [مسند أحمد: ٢١/ ٤٤٠، ورقمه: ١٤٠٤٩. قال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين].
[ ١٣١ ]
ومما يدل على قوة قلبها أنها اتخذت خنجرًا، تريد به بعج بطن من يريدها من الأعداء، وقد أخبرنا أنس - ﵁ -: "أن أبا طلحة جاء إلى الرسول - ﷺ - يوم حنين يضحك رسول الله - ﷺ - من أم سليم، قال: يا رسول الله، ألم تر إلى أم سليم مها خنجر"، فقال لها الرسول - ﷺ -: «ما تصنعين به يا أم سليم؟».
قالت: "أردت إن دنا مني أحد طعنته به" [مسند أحمد: ١٩/ ١٦٢، ورقمه: ١٢١٠٨ وقال محقوه: صحيح على شرط مسلم].