تقديم:
الصحابي الجليل المجاهد والقائد الفذ المحنّك خالد بن الوليد، الذي تحبه النفوس، وتتلو سيرته العطرة الألسنة، وتهفو القلوب إلى وجود قائد فذ مثله عندما يحيط بها الأعداء، وتتناوشها السهام من كل جانب.
ترجمته:
١ - التعرف به: قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في ترجمته: هو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
يكنى أبا سليمان وأمّه عصماء، وهي لبابة الصغرى بنت الحارث، أخت أم الفضل امرأة العباس.
٢ - إسلام خالد بن الوليد: قال المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث، قال: سمعت أبي يحدِّث، قال: قال خالد بن الوليد - ﵁ -: لما أراد الله بي ما أراد من الخير، قذف في قلبي حبَّ الإسلام، وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن أشهده إلا انصرفت وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدًا سيظهر، ودافعته قريش بالراح يوم الحديبية، فقلت: أين المذهب؟ وقلت: أخرج إلى هرقل، ثم قلت: أخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم مع عجم تابعًا لهم، مع عيب ذلك عليّ؟ ودخل رسول الله - ﵁ - مكة عام القضية، فتغيّبت فكتب إليّ أخي:
[ ١٥٠ ]
"لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله - ﷺ - عنك فقال: أين خالد، فقلت: يأتي الله به، فقال: ما مثل خالد جهل الإسلام، استدرك يا أخي ما فاتك".
فما أتاني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرتني مقاله النبي - ﷺ -، فأرى في المنام كأني في بلاد ضيقة جدبة، فخرجت إلى بلد أخضر واسع، فقلت: إن هذه لرؤيا، فذكرتها بعد لأبي بكر فقال: هو مخرجك الذي هداك الله فيه للإسلام، والضيق: الشرك، فأجمعت الخروج إلى رسول الله - ﷺ -، وطلبت من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة، فذكرت له الذي أريد، فأسرع الإجابة، وخرجنا جميعًا، فأدلجنا سحرًا، فلما كنا بالهدّة إذا عمرو بن العاص فقال: مرحبًا بالقوم. فقلنا: وبك. فقال: أين مسيركم؟ فأخبرناه وأخبرنا أنه يريد أيضًا النبي - ﷺ -، فاصطحبنا، حتى قدمنا المدينة على رسول الله - ﷺ - أول يوم من صفر سنة ثمان، فلما طلعت على رسول الله - ﷺ - سلمت عليه بالنبوة، فردّ عليّ السلام بوجه طلق فأسلمت، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد كنت أرى لك عقلًا، رجوت أن لا يسلمك إلا إلى الخير» وبايعت رسول الله - ﷺ -، وقلت: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدٍّ عن سبيل الله، فقال: «إن الإسلام يجبّ ما قبله»، ثم استغفر لي، وتقدَّم عمرو وعثمان بن طلحة فأسلما، فو الله ما كان رسول الله - ﷺ - من يوم أسلمت يعدل بي أحدًا من أصحابه فيما يجزبه.
٣ - تولي خالد الإمارة بعد استشهاد الأمراء في مؤتة: وعن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت قال: لما كان يوم مؤتة، وقتل الأمراء، أخذ اللواء ثابت ابن أقرم، وجعل يصيح يا للأنصار، فجعل الناس يثوبون إليه، فنظر إلى خالد ابن الوليد فقال: خد اللواء يا أبا سليمان، فقال: لا آخذه، أنت أحقُّ به، لك
[ ١٥١ ]
سنّ، وقد شهدت بدرًا، قال ثابت: خذه أيها الرجل، فو الله ما أخذته إلا لك، وقال ثابت للناس: اصطلحتم على خالد؟ قالوا: نعم، فحمل اللواء، وحمل بأصحابه، ففضّ جمعًا من جمع المشركين.
وعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية.
٤ - خالد سيف من سيوف الله: وعن عبد الملك بن عمير، قال: استعمل عمر أبا عبيدة بن الجراح على الشام، وعزل خالد بن الوليد، قال: فقال خالد ابن الوليد: بعث عليكم أمين هذه الأمة، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة» [القصة وحديثا خالد وأبي عبيدة أخرجهما الإمام أحمد في المسند (٤/ ٩٠) ورجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن عبد الملك بن عمير لم يدرك أبا عبيدة، وهو حديث صحيح بشواهده - انظر مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٨)].
٥ - جهاد خالد بن الوليد: قال العلماء بالسير: بعث رسول الله - ﷺ - خالد ابن الوليد في سرايا، وخرج معه في غزاة الفتح، وإلى حنين، وتبوك، وفي حجة الوداع، فلما حلق رسول الله - ﷺ - رأسه أعطاه ناصيته، فكانت في مقدم قلنسوته، فكان لا يلقى أحدًا إلا هزمه (١).
ولما خرج أبو بكر - ﵁ - إلى أهل الردة كان خالد بن الوليد يحمل لواءه، فلما تلاحق الناس به استعمل خالدًا ورجع إلى المدينة، وكان خالد يقول: ما أدري من أي يوميّ أفرّ؟ من يوم أراد الله ﷿ أن يهدي لي فيه شهادة، أو من يوم أراد الله ﷿ أن يهدي لي فيه كرامة؟
_________________
(١) القصة صحيحة أخرجها أبو نعيم في دلائل النبوة.
[ ١٥٢ ]
٦ - وفاة خالد: ولما عزله عمر بن الخطاب لم يزل مرابطًا بحمص حتى مرض، فدخل عليه أبو الدرداء عائدًا فقال: إن خيلي وسلاحي على ما جعلته في سبيل الله ﷿، وداري بالمدينة صدقة، قد كنت أشهدت عليها عمر بن الخطاب، ونعم العون هو على الإسلام، وقد جعلت وصيتي وإنفاذ عهدي إلى عمر، فقدم بالوصية على عمر فقبلها، وترحم عليه.
ومات خالد فقير في بعض قرى حمص على ميل من حمص، وموضعه اليوم في وسط المدينة، سنة إحدى وعشرين، فحكى من غسله أنه ما كان في جسمه موضع صحيح من بين ضربةٍ بسيف أو طعنةٍ برمح أو رمية بسهم.
وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى فقال: "لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء".
وعن شقيق بن سلمة قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه، فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن فانههنّ. فقال عمر: وما عليهن أن يرقن دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة.
قال وكيع: النقع: الشق، واللقلقة: الصوت - ﵁ -. [صفة الصفوة: ١/ ٦٥٠ - ٦٥٥].