ﷺ
بأنه سيجعل أمته خلفاء في الارض أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم لفظا ومعنى، والوعد من الله متحتم الوقوع على ما سأوضحه في هذا المجموع فقد فعل الله ﵎ ذلك وله الحمد والمنة فإن رسول الله ﷺ لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر الجزيرة العربية وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم
[ ٣٨ ]
والمقوقس صاحب مصر والإسكندرية وملوك عمان والنجاشي الذي تملك بعد أصحمة ﵀ وأكرمه، ثم لما مات رسول الله ﷺ واختاره الله لما عنده من الكرامة قام بالامر بعده خليفته أفضل الأمة بعده وكان أول من أسلم من الرجال على التحقيق أبو بكر الصديق - ﵁ - بويع في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ في سقيفة بني ساعدة ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم وذلك في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشر فلم شعث ما وهي
[ ٣٩ ]
عند موته ﵇ وأطد جزيرة العرب ومهدها وبعث الجيوش الاسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ﵁ ففتحوا طرفا منها وقتلوا خلقا منها، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة بن الجراح ﵁ ومن معه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثا صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى أرض مصر ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها وتوفاه الله عزوجل واختار له ما عنده وذلك وهو موسوم في مسا يوم الاثنين لثمان بقين من جماد الآخرة سنة ثلاث عشرة فكانت خلافته ﵁ سنتين ودون أربعة أشهر ومن الله على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق
[ ٤٠ ]
أن يستخلف عمر بن الخطاب الفاروق ﵁ وبويع له يوم مات أبو بكر بنص أبي بكر عليه فقام بالأمر بعده قياما تاما لم يدر الفلك بعد الأنبياء ﵈ وصاحبه على قوة سيرته وكمال عدله وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكاملها وديار مصر إلى آخرها وأكثر اقليم فارس وكسر كسرى وأهانه غاية (الإهانة) وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزاع يده من بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله ﷺ إلى أن قتل ﵁ ودفن في يوم الأحد مستهل المحرم سنة أربع وعشرين وكانت خلافته عشر سنين ونصف سنة وهو أول خليفة تسمى بأمير المؤمنين قال بعض السلف - ﵃ - خلافة أبي بكر وعمر - ﵄ - حق في كتاب الله ثم تلى هذه الآية وروينا في
[ ٤١ ]
الحادي عشر من المجالسة عن ابن قتيبة أنه قال هذه الآية شاهدة لخلافة ابي بكر الصديق ﵁ وقوله تعالى (لَيَستَخلِفَنَهُم في الأَرض) أي بعد النبي ﷺ، والمراد بقوله من بعد خوفهم أمنا صحابة رسول الله ﷺ لأنهم كانوا الخايفين في صدر الاسلام وقبل الهجرة والمستضعفين ثم وجدوا بعد هذا جميع ما وعدهم الله به من النصر والظفر والظهور والعز ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الاسلامية إلى أقصى مشارق الارض ومغاربها ففتحت بلا الغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى
[ ٤٢ ]
اقصى بلاد الصين وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية وفتحت مداين العراق وخراسان والاهواز وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وخذل ملكهم الاعظم خاقان، وجبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وذلك ببركة تلاوته وجمعه الأمى على حفظ القرآن وتلاوته، وكانت خلافته بإجماع الصحابة بعد موت عمر - ﵁ - في المحرم سنة أربع وعشرين وقتل بعد عصر الجمعة من ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين وكانت خلافته دون اثنتي عشرة سنة بأيام وبويع علي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة بعده وبما تقدم ظهر قوله ﷺ الذي ثبت في الصحيح إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى منه، وقوله ﷺ لعدي بن
[ ٤٣ ]
حاتم ﵁ حين وفد عليه أتعرف الحيرة قلت: (لم أرها) وقد سمعت بها قال فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج
الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت كسرى بن هرمز قال نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد، قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى والذي نفسي بيده لتكونن الثالث لأن رسول الله ﷺ قد قالها، وقوله بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب وها نحن نتقلب فيما وعدنا الله - عزوجل - ورسوله ﷺ فصدق الله ورسله وجل ونسأل الله الإيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا وسلوك سبيله، ونصر ملكنا على أعدائه وامتداد العدل في رعيته في ابتداء ملكه وإنهائه فإنه ممن أكسبه الله محاسن جمة لو لم يكن منها إلا تحريه في الولايات المهمة وتثبته في العزل غلا بجنحة، ونظره في المصالح المهمة بنفسه ليتخير منها ما يراه أقرب إلى الصحة، والأمن بمهابته في الطرقات والسبل وجلالته في الأنفس (خصوصا) من جل ونبل وشهامته وشجاعته، وصيانته، وعبادته، وطلعته النيرة، وبهجته المشتهرة بارك الله في أيامه، وأسعده في خواصه وخدمه. عينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت كسرى بن هرمز قال نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد، قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى والذي نفسي بيده لتكونن الثالث لأن رسول
[ ٤٤ ]
الله ﷺ قد قالها، وقوله بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب وها نحن نتقلب فيما وعدنا الله - عزوجل - ورسوله ﷺ فصدق الله ورسله وجل ونسأل الله الإيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا وسلوك سبيله، ونصر ملكنا على أعدائه وامتداد العدل في رعيته في ابتداء ملكه وإنهائه فإنه ممن أكسبه الله محاسن جمة لو لم يكن منها إلا تحريه في الولايات المهمة وتثبته في العزل غلا بجنحة، ونظره في المصالح المهمة بنفسه ليتخير منها ما يراه أقرب إلى الصحة، والأمن بمهابته في الطرقات والسبل وجلالته في الأنفس (خصوصا) من جل ونبل وشهامته وشجاعته، وصيانته، وعبادته، وطلعته النيرة، وبهجته
[ ٤٥ ]
المشتهرة بارك الله في أيامه، وأسعده في خواصه وخدمه.
وعن الأصمعي قال قيل للحسن ﵀ إنك كنت تقول الآخر أشر وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج، فقال الحسن لا بد للناس من متنفسات. رواه الدينوري في المجالسة في الجزء الثالث عشر منها، قال البراء بن عازب ﵄ إن
[ ٤٦ ]
هذه الآية نزلت ونحن في خوف شديد يعني فحصل ما وعد الله تعالى به من الأمن فكانوا كذلك آمنين بقية حياة رسول الله ﷺ ثم كانوا آمنين في امارة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ حتى وقعوا فيما وقعوا فيه فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الشرط وغيروا فغير بهم فالصدر الاول وهم الصحابة رضوان الله عليهم لما كانوا أقوم الناس بعد الرسول ﷺ بأوامر الله عزوجل وأطوعهم لله، وأشدهم إظهارا لكلمة الله في المشارق والمغارب كان نصرهم بحسبهم فأيدهم الله تأييدا عظيما وتحكموا في سائر البلاد والعباد، ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم لكن قد ثبت في الصحيحين من وجوه عن رسول الله ﷺ أنه قال (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة)، وفي رواية حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وفي رواية حتى يقاتلون الدجال وفي رواية حتى ينزل عيسى بن مريم ﵇، وهم
[ ٤٧ ]
ظاهرون.
وكل هذه الروايات صحيحة ولا تعارض بينها، وقد فسر غير واحد من الأئمة هذه الطائفة بأصحاب الحديث الذين قال فيهم إمامنا الشافعي - ﵀ - إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ نسأل الله التوفيق والإلهام لأقوم طريق، ثم اعلم أنه قد ذكر في هذه الشريفة من الأحاديث المنيفة
[ ٤٨ ]
ما ظاهره التعارض وهو ما في الصحيحين عن جابر بن سمرة ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم أثنى عشر رجلا ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت علي فسالت أبي ماذا قال رسول الله ﷺ فقال: قال كلهم من قريش، وما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وصححه ابن حبان
[ ٤٩ ]
والحاكم وغيرهما كلهم عن سفينة مولى رسول الله ﷺ ورضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا.
ووجه التعارض أن الأول فيه دلائل على أنه لا بد من وجود اثني عشر
[ ٥٠ ]
خليفة عادل من قريش وهم الذين وقعت بهم البشارة في الكتب المتقدمة وليسوا هم بأئمة الشيعة الإثني عشر فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم من الأمر شيء بخلاف هؤلاء فإنهم يكونون من قريش، والثاني فيه النص على ثلاثين سنة ثم تكون ملكا عضوضا أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه عضا ولم يكن في هذه المدة المحددة إلا الخلفاء الأربعة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأيام الحسن بن علي ﵃، وأجيب عن ذلك بأجوبة منها: أنه ليس في الأول أن العدد المذكور على الولا فيحتمل على وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا حسبما وقع في الخارج فقد وجد منهم الأربعة المذكورون على الولا ثم كانت بعدهم فترة ثم وجد منهم ما شاء الله ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسم رسول الله ﷺ وكنيته كنيته يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله عزوجل بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة
[ ٥١ ]
وكاينا خلافة وكاينا ملكا عضوضا وكاينا عتوا وجبرية وفسادا في الأمة يستحلون الفروج والخمور والحرير ويرزقون مع ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عزوجل وهو حديث حسن رواه الدارمي والطيالسي في مسنديهما ومما يشبه هذه الآية قوله تعالى: (إِذ أَنتُم قَليلٌ مُستَضعَفونَ في الأَرض تَخافونَ أَن يَتَخَطَفَكُم الناسُ فَآواكُم وَأَيَدَكُم بِنَصرِه وَرَزَقَكُم مِن الطَيباتِ لَعَلَكُم تَشكُرون) .
وقوله تعالى عن موسى ﵇ أنه قال لقومه (عَسى رَبُكُم أَن يَهلِكَ عَدوكُم وَيَستَخلِفَكُم في الأَرضِ فَيَنظُرَ كَيفَ تَعمَلون) .
[ ٥٢ ]
وقوله تعالى: (وَنُريدُ أَن نَمُنَّ عَلى الَّذينَ اِستُضعِفوا وَنَجعَلَهُم أَئِمَةً وَنَجعَلَهُم الوارِثينَ وَنُمَكِنَ لَهُم في الأَرضِ وَنريَ فِرعونَ وهامان وَجنودَهُما مِنهُم ما كانوا يَحذرون) .
وثالثها