التمسك بالشيء التزامه والعمل بمقتضاه، اقتناعًا به وتصديقًا بمدلوله فالتمسك بالقرآن الكريم، الإيمان به وتصديق وعده ووعيده والقيام على تعلمه وتعليمه والاعتناء برسمه وضبطه، حتى يسهل حفظ نصه الكريم غضًا كما أنزل وكذا العناية بتفسيره لفهم معانيه، ومعرفة مراميه حتى يتسنى للناس تدبره والعمل به، إذ كيف يمكن تدبره إلا بعد معرفة معانيه قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٢٩) .
التمسك بالقرآن الكريم، يكون بالإيمان بكل ما ورد فيه من أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه وصفاته، فلا ينسبون فعله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا هو تعالى، إلى غيره.
ولا يصرفون شيئًا من عبادتهم إلى سواه ﷿، ولا يلحدون في أسمائه فلا يصفونه إلا بما وصف به نفسه تعالى أو وصفه به رسول الله ﷺ ويعتقدون أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ويعتقدون أنه تعالى هو الإله الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
ويكون التمسك بالقرآن الكريم بالإيمان بمحمد رسول الله ﷺ، نبيًا لا يعبد ورسولًا لا يكذب بل يطاع ويتبع.
[ ١١ ]
وكذا الإيمان بكل ما أخبر به من أنه رسول رب العالمين، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، والإيمان بملائكة الله تعالى عليهم الصلاة والسلام وكتبه ورسله عليهم الصلاة والسلام واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
ويكون التمسك بالقرآن الكريم بالاستسلام لله تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص له من الشرك.
فلا يعبد إلا الله تعالى وحده لا شريك له ولا يرجى سواه ولا يخاف إلا منه، فلا نافع إلا هو ﷿، ولا ضار إلا هو وحده، فلا يتعلق بولي كائنًا من كان، ليجلب نفعًا أو يدفع ضرًا فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده.
التمسك بالقرآن الكريم، بالإحسان بمراقبة الله تعالى وحده، فمرتبة المراقبة تحدو صاحبها إلى عمل كل خير والابتعاد عن كل شر أملًا في وعد الله تعالى، وخوفًا منه ومن وعيده ﷿ سبحانه وبحمده.
المجتمع المتمسك بالقرآن الكريم مساجدهم عامرة بالمصلين المخبتين إلى الله تعالى رب العالمين وفقراؤهم أغنياء بما أفاء الله تعالى عليهم من فضل أموال المزكين، ورمضانهم نهاره صيام عن كل ما حرم الله تعالى، وكذا ليله مع ما ازدان به من قيام، ومن تيسر حاله منهم حج لله تعالى واعتمر البيت الحرام.
المجتمع المتمسك بالقرآن الكريم يحكم بما أنزل الله تعالى، ويحكمه في عبادته ومعاملاته وأخلاقه وسلوكياته، وقضائه قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥)
[ ١٢ ]
وقال تعالى رب العالمين: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤)
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: ٤٥) . ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٤٧) .
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) (١) .
من التمسك بالقرآن الكريم - التمسكُ بسنة نبيه ﷺ (٢) . والأخذ بكل ما جاءت به من أحكام وأخلاق وآداب، سواء أكانت مبينة للقرآن الكريم، أم مؤسسة لذلك، وذلك هو العلم الحقيقي أن يتعلم المسلمون الكتاب العزيز وسنة رسوله ﷺ.
قال تعالى عن رسوله ﷺ: ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى﴾ (النجم:٣-٤) .
وقال ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) .
وقد قال النبي ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (٣) .
_________________
(١) معنى (شجر): - اختلط (حرجًا) ضيقًا أو شكا، ويسلموا: ينقادوا تسليمًا من غير معارضة. انظر تفسير الجلالين /١١٤ - دار المعرفة، بيروت وتفسير الطبري بحاشية القرآن الكريم لمحسن المعلم ٩٧.
(٢) السنة لغة الطريقة، وشرعًا اصطلاحًا: ما نقل عن رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، انظر المختصر في أصول الفقه لابن اللحام /٧٣، ٧٤.
(٣) الحديث أخرجه أحمد ١/٣٥٦ وأبو داود ٢/٥٠٥ وإسناده صحيح.
[ ١٣ ]
فلا يتأتى التمسك بالقرآن الكريم إلا بالتمسك بسنة النبي ﷺ، سواء أكانت قولًا، أم فعلًا، أم تقريرًا، أم صفة لها علاقة بالتبليغ عن الله تعالى ربنا.
وهذا التنويه عن التمسك بالسنة وبكونه واجبًا كان يمكن الاستغناء عنه لأنه أمر مركوز في طبيعة المسلم السليمة لولا أنه نبتت في جسم الأمة الإسلامية نابتة سوء يدعون أنفسهم القرآنيين يرون أنهم ليسوا ملزمين إلا بما في القرآن الكريم، أما ما في السنة فليسوا مطالبين به، وقد كذبوا في زعمهم الأول، والثاني.
أما الأول: وهو نسبتهم أنفسهم إلى القرآن الكريم فكيف تصح نسبتهم إليه وهم لا يعملون به في مدلول قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر: ٧) . وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣-٤) .
أما الثاني: فقد كذبوا في زعمهم أنهم ليسوا مطالبين بمدلول السنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧) .
ثم كيف قد عرف هؤلاء أوقات الصلاة، وعدد ركعات الفرائض وكيفية الحج ومقادير الزكاة إن كانوا يصلون أو يزكون أو يحجون فأين توضيح ذلك وكثير غيره، إلا بسنة رسول الله ﷺ.
ولا يبعد أن يكون هؤلاء ممن عَنَى رسول الله ﷺ في خوفه من أن يردَ بعض الناس بعض الأحكام الثابتة في الشرع بالسنة المطهرة بتلك الحجة الواهية حيث قال ﷺ "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعان على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن
[ ١٤ ]
فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام، فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كلُّ ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم، فعليهم أن يُقروهم، فإن لم يقروهم فعليهم أن يُعقبوهم بمثل قراهم" (١) .
المجتمع المتمسك بكتاب الله تعالى، يقوم بواجب الدعوة إلى الله تعالى، ليعبده عباده وحده لا شريك له متبعين في ذلك هدي رسوله ﷺ وحده فذلك معنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١) .
وقال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ (٢) الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ_ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:١١٢) . وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠) . هذا والله تعالى المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) الحديث أخرجه أبو داوود في لزوم السنة ٢/٥٠٥ انظر كتاب مسند الشاميين من مسند الإمام أحمد للدكتور على جماز ١/٣٦٢.
(٢) السائحون: أي الصائمون. انظر تفسير الجلالين ١٦١.
[ ١٥ ]