إذ أن حب العلم للعلم أعظم من حب الناس للمال والنساء، وطالب العلم إن لم يوازن
_________________
(١) أي نوع من قسوة القلب.
(٢) اللذع: الإيلام والإحراق: «ترتيب القاموس المحيط»: (ل د ع).
(٣) «صيد الخاطر»: ١٤١.
[ ٣٣ ]
بين الحقوق المختلفة يضعف عن إكمال مسيرته.
وقد يقول قائل: إن السلف كانوا يطلبون العلم ولا يفكرون في غيره من الأمور المذكورة، وأقول لمن يقول ذلك: هات نساء كنساء السلف، وهات معيشة كمعيشتهم، ثمّ يصح لك بعد ذلك قياسك.
وهاك أمثلةً توضح مدى انشغال طالب العلم به، فقد قال سفيان بن عيينة (١) رحمه الله تعالى:
«لا تدخل هذه المحابر بيت رجل إلا أشقى أهله وولده» (٢).
أي أشقاهم بكثرة انشغاله عنهم، وانشغاله عن طلب الرزق.
وسأل ﵀ رجلًا: «ما حرفتك»؟
قال: طلب الحديث.
فقال له: «بشِّر أهلك بالإفلاس» (٣)
أي أنه لأجل حرفته هذه لن يطلب عملًا دنيويًا يُغني به أهله.
وقالت بنت أخت الزبير بن بكار (٤) لزوجه:
«خالي خير رجل لأهل لا يتخذ ضَرَّة ولا سُرِّية (٥)، فقالت المرأة: والله
_________________
(١) الإمام سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، فقيه إمام حجة، توفي سنة ١٩٨ وله ٩١ سنة، انظر «التقريب»: ٢٤٥.
(٢) «نزهة الفضلاء»: ٢/ ٦٧١.
(٣) «نزهة الفضلاء»: ٢/ ٦٧١.
(٤) العلامة الحافظ، النسابة، قاضي مكة وعالمها، أبو عبد الله بكار بن عبد الله القرشي الأسدي الزبيدي. ولد سنة ١٧٢. وتوفي بمكة سنة ٢٥٦ رحمه الله تعالى. انظر «سير أعلام النبلاء»: ١٢/ ٣١١ - ٣١٥.
(٥) أي الجارية المتخذة للتسري وهو الجماع.
[ ٣٤ ]
هذه الكتب أشدّ عليّ من ثلاث ضرائر» (١).
ونحن اليوم بين مُفْرط ومُفَرِّط، بين قابع في بيته لا يخرج بدعوى الحفاظ على حقوق الأهل والأولاد، وبين مضيع لهم لا يعرف لهم حقًا ولا واجبًا، وقليل من التزم الجادة وأعطى كل ذي حق حقه، والطريقة المثلى في ذلك ما كان عليه رسول الله - ﷺ -.