وهذا من أهم المهمات، فقد حثّ عليه السلف كثيرًا وحذروا من تركه والتفريط فيه؛ لأن الشخص حال انشغاله في طلب العلم قد ينسى هذا الأمر المهم.
فهذا محمد بن عبادة المعافري يحدث أنه وصحبه كانوا عند أبي شريح المعافري (١) ﵀ «فكثرت المسائل فقال: قد دَرنت (٢) قلوبكم، فقوموا إلى خالد ابن حميد المَهْري (٣) استقلُّوا (٤) قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق فإنّها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجرّ الصداقة، وأقلوا المسائل فإنها - في غير ما نزل - تقسي القلب، وتورث العداوة» (٥).
وقال شعبة (٦)
«إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة وعن صلة الرحم، فهل أنتم منتهون» (٧).
_________________
(١) الإمام القدوة الربانيّ، أبو شريح المعافريّ الإسكندرانيّ. العابد المتأله الزاهد توفي سنة ١٦٧ وكان من أبناء السبعين رحمه الله تعالى. انظر «سير أعلام النبلاء»: ٧/ ١٨٢ - ١٨٤.
(٢) وَسخت.
(٣) الإسكندراني. لا بأس به. توفي سنة ١٦٧ رحمه الله تعالى. انظر «التقريب»: ١٨٧.
(٤) استبدلوا.
(٥) «نزهة الفضلاء»: ١/ ٥٧٩ - ٥٨٠.
(٦) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي- بالولاء-، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة، وكان عابدًا، مات سنة ١٦٠. انظر «التقريب»: ٢٦٦.
(٧) «نزهة الفضلاء»: ١/ ٥٨١.
[ ٣١ ]
يعني أن كثرة طلب الحديث قد تؤدي إلى ما ذكره إذا لم يُجمع بينه وبين قراءة الرقائق والمرغبات والمزهِّدات.
وذُكر معروف الكَرخي عند الإمام أحمد، فقيل: قصير العلم، فقال: أمسك، وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف (١).
وذكر الإمام ابن الجوزيّ ﵀ أمر الموازنة بين العلم وطلب ترقيق القلب فقال:
«تأملت العلم والميل إليه والتشاغل به فإذا هو يقوي القلب قوة يميل به إلى نوع قساوة، ولولا قوة القلب وطول الأمل لم يقع التشاغل به، فإني أكتب الحديث أرجو أن أرويه، وأبتدىء بالتصنيف أرجو أن أتمه، فإذا تأملت إلى باب المعاملات (٢) قلّ الأمل، ورقّ القلب، وجاءت الدموع، وطابت المناجاة، وغشيت السكينة إلا أن العلم
_________________
(١) «نزهة الفضلاء»: ٢/ ٧١٤.
(٢) أي المعاملات القلبية مع الله ﵎.
[ ٣٢ ]
أفضل، وأقوى حجة، وأعلى مرتبة، وإن حدث منه ما شكوت منه (١)، والمعاملة- وإن كثرت الفوائد التي أشرت إليها منها- فإنها قريبة إلى أحوال الجبان الكسلان الذي قد اقتنع بصلاح نفسه عن هداية غيره، وانفراد بعزلته عن اجتذاب الخلق إلى ربهم، فالصواب العكوف على العلم مع تلذيع (٢) النفس بأسباب المرقِّقات تلذيعًا لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم» (٣).
وقول الإمام ابن الجوزيّ: «فالصواب العكوف على العلم مع تلذيع النفس بأسباب المرققات » يُعد من القواعد الجامعة المُثلى في هذا الباب.
والناظر اليوم لحال طلبة العلم يعرف أن أكثرهم قد قست قلوبهم وجمدت عيونهم، وانصرفوا عن الرقائق وطلب بعضهم الدنيا بعلمه؛ وذلك لأن القلب ليس متوجهًا إلى الله ولا اللسان بمخلص في دعواه، وهذا من عوامل تأخر النصر، وقلة التوفيق، وندرة البركة في الأعمار والأوقات، والله المستعان.