وهذا أمر خطير؛ إذ في غمرة حماس الأخ وتطلعه إلى جمع المال قد ينسى دعوته وعبادته فيقسو قلبه وتجف روحه، وإذا رأيته فكأنك ترى أحد أبناء الدنيا المتكالبين عليها والذين لا يبالون بأمر آخر غير حبها وتفضيلها.
فكم من نفوس زكية خربت، وكم من صلات أخوية متينة تقطعت بسبب التهافت على جمع المال ونسيان الآخرة، والحوادث أكثر من أن تحصر، ولكني أضرب - لما أقوله - ثلاثة أمثلة:
أعرف أخًا صالحًا داعية ثقة دخل مضمار الدنيا ففتح عليه قليلًا فظن أنه قد فاز، فابتلاه الله تعالى بأمور متعددة نتج عنها قطع صلاته بإخوانه، وخسرت الدعوة
[ ٧٢ ]
أخًا كان من المأمول أن يرتقي بها ويعلي من شأنها، وخسر هو إخوانه الذين هم رأسماله الحقيقي.
وأعرف آخر، ليس كسابقه، ولكنه مسلم مستقيم، ترك وظيفته لأجل طلب الدنيا التي استدرجته حتى وقع في حبائلها، فأصبح الآن يُرثى لحاله؛ إذ هو بعيد عن الله تعالى، مكروه من الناس، ممقوت حتى من أقرب أهله إليه، هذا بخلاف ما اعتاده- الآن - من كذب وغش وخداع.
وأختم بثالث كان نشيطًا في الدعوة محبًا لها حينما كان موظفًا، فسوّل له الشيطان ترك الوظيفة والالتحاق بركب التجار، وكانت له أعذار في هذا- كالعادة - فغرق في بحر التجارة شيئًا فشيئًا حتى نسي المعاني العليّة التي كان يدعو لها، وتقهقر نشاطه، وفتر عزمه،
وتشوش باله، وتفرق قلبه.
هذه بعض أمثلة توضح ما يمكن أن يصيب الأخ
[ ٧٣ ]
الداعية إذا جرى في المضمار بغير فرس جيد وبغير لجام.
وقد قال أبو الدرداء ﵁ موضحًا ذلك:
«أعوذ بالله من تفرقة القلب. قيل: وما تفرقة القلب؟
قال: أن يُجعل لي في كل واد مال» (١).