ولست أقصد أن ينجرف معهم في معاصيهم؛ لأن هذا خارج موضوع البحث، ولكني أقصد ألا ينجرف - حال دعوة الناس - إلى أن يكثر الهَذَر معهم، ويسترسل في اللغو والمزاح فيفقد تأثيره وبريقه، فلا يُقبل بعد ذلك غالب كلامه، ولله در الشاطبي (٢) ﵀ حيث قال:
هو المجتبي (٣) يغدو على الناس كلهم قريبًا غريبًا مستمالًا مؤمّلًا
_________________
(١) «نزهة الفضلاء»: ٣/ ١٤٤٧.
(٢) الشيخ الإمام، العالم العامل، القدوة، سيد القراء، أبو محمد، وأبو القاسم، القاسم بن فيرُّه بن خلف بن أحمد الرُّعينيُّ، الأندلسي الشاطبي، الضرير، ناظم «الشاطبية». ولد سنة ٥٣٨، وكان يتوقد ذكاء، له الباع الأطول في فن القراءات والتقوى والتألُّه والوقار. استوطن مصر، وتصدر، وشاع ذكره، وتفي سنة ٥٩٠ رحمه الله تعالى. انظر: «سير أعلام النبلاء»: ٢١/ ٢٦١ - ٢٦٤.
(٣) المختار: «ترتيب القاموس»: (ج ب ي)
[ ٥٣ ]
نعم هو قريب منهم بدعوته وغريب عنهم حال هذرهم ولغوهم.
قال الإمام ابن القيم (١) رحمه الله تعالى:
«فأما ما تؤثره كثرة الخلطة فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يَسْود، ويوجب له تشتتًا وتفرقًا، وهمًّا وغمًّا وضعفًا، وحملًا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء وإضاعة مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم، فماذا يبقى من لله والدار الآخرة؟
هذا وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلّت من رزية، وأوقعت في بلية؟ وهل آفة الناس إلا الناس، وهل كان على أبي طالب - عند الوفاء - أضر من قرناء السوء؟ لم يزالوابه حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد
والضابط النافع في أمر الخلطة: أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة والأعياد والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات
فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسلّ قلبه من بينهم كسلّ الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضرًا غائبًا، قريبًا بعيدًا، نائمًا يقظًا، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه؛ لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فبين العبد وبينه (٢) أن يصدق الله ﵎، ويديم اللّجَأ إليه، ويلقي نفسه على بابه طريحًا ذليلًا، ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة، والذكر الدائم بالقلب واللسان، ولا يُنال هذا إلا بعدة صالحة، ومادة قوة من الله ﷿، وعزيمة صادقة، وفراغ من التعلق بغير الله تعالى» (٣).
ولله در الشافعيّ حيث يرشد تلميذه يونس بن عبد الأعلى (٤) فيقول:
«يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقُرناء السُوء، فكن بين المنقبض والمنبسط» (٥).
وهذا وَهْب بن مُنَبِّه (٦) ﵀ قد جاءه رجل فقال:
«قد حدثت نفسي أن لا أخالط النّاس، قال: لا تفعل، إنه لابدّ لك من النّاس ولا بد لهم منك، ولهم إليك حوائج ولك نحوها، ولكن كن فيهم أصمّ سميعًا، أعمى بصيرًا، سكوتًا نطوقًا» (٧).