لابد من إقامة الحقوق الأخرى قبل القيام بالعبادات التطوعية، وأعني بها حقوق الزوج والأولاد وما يماثلها مما يتعلق بذمّة الشخص، فقد قال أبو الدرداء ﵁:
«كنت تاجرًا قبل المبعث، فلما جاء الإسلام جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فتركت التجارة ولزمت البعادة».
فقال الذهبي معلقًا على هذا:
«قلت: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله هو طريق جماعة من السلف، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع كالصَّديق وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك،
_________________
(١) «نزهة الفضلاء»: ١/ ٣١٨ - ٣١٩.
[ ٤٧ ]
وبعضهم يعجز ويقتصر على البعادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز وبالعكس، وكل سائغ، ولكن لا بد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال» (١).
وأخرج الإمام البخاري ﵀ بسنده عن عون بن أبي جُحيفة (٢) عن أبيه (٣) «أن رسول الله - ﷺ - آخى بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى الدرداء مُتبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلمّا كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي
_________________
(١) المصدر السابق: ١/ ١٥٧.
(٢) السُوائي الكوفي ثقة. توفي سنة ١١٦ رحمه الله تعالى. انظر «التقريب»: ٤٣٣.
(٣) وهب بن عبد الله السُوائي، مشهور بكنيته، ويقال له وهب الخير. صحابي معروف ﵁، مات سنة ٧٤: المصدر السابق: ٥٨٥.
[ ٤٨ ]
حقٍّ حقّه، فأتى النبيَّ - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال النبي - ﷺ -: صدق سلمان» (١).