هذه مسألة مهمة طالما أرَّقت طالب العلم الجادَّ، حيث إنه يفضل طلب العلم على فعل التطوع، ويظل هذا الأمر يحوك في صدره زمانًا طويلًا خاصة عند قراءة سير العابدين الزاهدين.
يقول الإمام الذهبي (٢) ﵀ شارحًا المراد:
«هذه مسألة مختلف فيها: هل طلب العلم أفضل أو صلاة النافلة والتلاوة والذكر؟
فأمّا من كان مخلصًا لله في طلب العلم وذهنه جيِّد، فالعلم أولى، ولكن مع حظٍّ من صلاة وتعبد، فإن رأيته مجدًا في طلب العلم لا حظّ له في القربات، فهذا كسلان مهين، وليس هو بصادق في حسن نيته.
وأما من كان طلبه الحديثَ والفقه غيَّةً ومحبة نفسانيّة فالعبادة في حقّه أفضل، بل ما بينها أفعل تفضيل.
وهذا تقسيم في الجملة، فقَلّ - والله - من رأيته مخلصًا في طلب العلم» (٣).
وقال في موضع آخر معلقًا على قول ابن المبارك (٤):
«ما
_________________
(١) «نزهة الفضلاء»: ٢/ ٨٩٢.
(٢) محمد بن أحمد بن عثمان، الحافظ شمس الدين، أبو عبد الله التركمانيّ الذهبي محدّث العصر، ولد سنة ٦٧٣، واعتنى بطلب الحديث وارتحل من أجله منذ كان عمره ١٨ سنة، وألَّف مصنفات جامعة نافعة، وتوفي سنة ٧٤٨ بعد أن أضَر مدة يسيرة. انظر ترجمته في «طبقات الشافعية الكبرى»: ٩/ ١٠٠ - ١٢٣، لكن ليُحذر من طعن السبكيّ في الطبقات على شيخه الذهبي فإنه لا يلتفت إليه، والله أعلم.
(٣) «نزهة الفضلاء»: ١/ ٥٧٨.
(٤) عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه، عالم جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، مات سنة ١٨١ وله ٦٣ سنة. انظر «التقريب»: ٣٢٠.
[ ٣٥ ]
رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة».
فقال ﵀:
«ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به الله» (١).
فحاصل كلام الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى هو وجوب التوازن بين العلم والعبادات التطوّعية لتحقيق الكمال المنشود، وإن كان - أي الذهبيّ - يفضل العلم على النوافل مثل كثير من السلف.