الداعية يكره التصدر والشهرة بطبعه لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكن ماذا يفعل إن تعينّ عليه نصح الجمهور وإرشادهم للحق، فإنه لا ينبغي له الفرار من الميدان بدعوى كراهية الشهرة والتصدر، كما أنه لا ينبغي له طلب الشهرة وإرادة التصدر لئلا يجرح إخلاصه.
قال تعالى:
(وأجعلنا للمتقين إمامًا*) (٤).
_________________
(١) الشيخ الإمام، المحدث الواعظ، القدوة، شيخ الإسلام، الأستاذ سعيد بن إسماعيل بن سعيد النيسابوري الصوفي. ولد بالري سنة٢٣٠. وكان مجاب الدعوة، مجمع العباد والزهاد، وله مواعظ حسنة وحكم رائعة وكرامات جليلة. توفي سنة ٢٩٨ رحمه الله تعالى. انظر «سير أعلام النبلاء»: ١٦/ ١٤٦ - ١٤٨.
(٢) الشيخ الإمام القدوة، المحدث، الرباني، شيخ نيسابور إسماعيل بن نجيد السلمي الصوفي. ولد سنة ٢٧٢. وتوفي سنة ٣٦٥ رحمه الله تعالى. انظر «سير أعلام النبلاء»: ١٦/ ١٤٦ - ١٤٨.
(٣) «نزهة الفضلاء»: ٢/ ١١٥٨.
(٤) سورة الفرقان: [٧٤].
[ ٥٨ ]
وقال سبحانه قاصًا كلام سيدنا يوسف ﵊:
(أجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم*) (١).
فهاتان الآيتان توضحان أن المسلم هو الرائد والدليل، بل قد ينبغي له طلب هذه الوظيفة الشريفة.
وقد يكون في قلب المتصدر المخلص حبٌ للشهرة وهو لا يشعر به ولا يريده، ولكنه نازع من نوازع النفس الإنسانية لا يؤخذ عليه إن شاء الله، فهذا إبراهيم بن أدهم (٢) يقول:
«ما صدق الله عبدٌ أحب الشهرة».
فيعلق الذهبيّ قائلًا:
«علامة المخلص الذي قد يحب شهرةً ولا يشعر بها أنه إذا عُوتب في ذلك لا يَحْرد ولا يبرىء نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، ولا يكن معجبًا بنفسه لا يشعر بعيوبها، بل لا يشعر أنه لا يشعر، فإن هذا داءٌ مزمن» (٣).
_________________
(١) سورة يوسف: [٥٥].
(٢) القدوة الإمام العارف، سيد الزهاد، أبو إسحاق العجلي الخراساني البلخي، نزيل الشام. ولد في حدود المائة. له = كلام رائق جميل وكرامات. توفي ﵀ سنة ١٦٢. انظر «سير أعلام النبلاء»: ٧/ ٣٨٧ - ٣٩٦.
(٣) «نزهة الفضلاء»: ١/ ٥٩٦.
[ ٥٩ ]
وقد أكثر السلف من التحذير من طلب التصدر وحب الشهرة، فهذا شيخ المالكية أبو عثمان ابن الحدّاد (١) يقول:
«ما صد عن الله مثل طلب المحامد وطلب الرفعة» (٢).
ويقول الذهبي ﵀ محذرًا من حب الشهرة:
«فربما أعجبته نفسه وأحب الظهور فيعاقب فكم رجل نطق بالحق وأمر بالمعروف فيسلط الله عليه من يؤذيه لسوء قصده وحبه للرئاسة الدينية، فهذا داء خفيٌ سارٍ في نفوس الفقهاء، كما أنه سارٍ في نفوس المنفقين من الأغنياء وهو داء خفيّ يسري في نفوس الجند والأمراء والمجاهدين، فتراهم يلقون العدو ويصطدم الجمعان وفي نفوس المجاهدين مخبآت وكمائن من الاختيال وإظهار الشجاعة ليُقال (٣) يضاف إلى ذلك إخلال بالصلاة وظلم للرعيّة وشرب للمسكر
_________________
(١) الإمام شيخ المالكية سعيد بن محمد بن صبيح المغربي. أحد المجتهدين، وكان بحرًا في فروع الفقه، رأسًا في لسان العرب، بصيرًا بالسنن كريمًا حليمًا. توفي سنة ٣٠٢ عن ٨٣ سنة رحمه الله تعالى. انظر «سير أعلام النبلاء»: ١٤/ ٢٠٥ - ٢١٤.
(٢) «نزهة الفضلاء»: ٢/ ١٠٣٤.
(٣) أي ليقال عنهم إنهم شجعان.
[ ٦٠ ]
فأنى ينصرون؟ وكيف لا يخذلون؟ فمن طلب العلم للعمل كسره العلم، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء تحامق واختال وازدرى بالناس وأهلكه العجب ومقتته الأنفس» (١).
والذي يحب الصدارة معرّض للذل، كما قال أبو الطيب سهل الصعلوكي: (٢)
«من تَصدّر قبل أوانه فقد تصدّى لهوانه» (٣).
وكما قال زُفَر بن الهذيل (٤):
«من قعد قبل وقته ذَلّ» (٥).
وهذه الأقوال إن انطبقت على محب التصدر والشهرة وعديم الإخلاص فلا تنطبق - إن شاء الله - على داعية
_________________
(١) «نزهة الفضلاء»: ٣/ ١٢٧٧ - ١٢٧٨.
(٢) العلامة شيخ الشافعية بخراسان، الإمام الطيب سهل بن محمد العجلي الحنفي ثم الصُعلوكي النيسابوري الفقيه الشافعي. وبعده بعض العلماء مجدد المائة الرابعة. توفي رحمه الله تعالى سنة ٤٠٤ وهو في عشر الثمانين. انظر «سير أعلام النبلاء»: ١٧/ ٢٠٧ - ٢٠٩.
(٣) «نزهة الفضلاء»: ٣/ ١٢٧٧ - ١٢٧٨.
(٤) العنبري، الفقيه المجتهد، الرباني، العلامة، أبو الهذيل. ولد سنة ١١٠ كان ثقة مأمونًا. توفي سنة ١٥٨ رحمه الله تعالى. انظر «سير أعلام النبلاء»: ٨/ ٤٦ - ٤٨.
(٥) «نزهة الفضلاء»: ٢/ ٦١٢.
[ ٦١ ]
تصدّر لإرجاع قومه إلى الحق وإلى طريق مستقيم حتى لو شُهر وعرف فلا بأس عليه - إن شاء الله تعالى - وله أسوة بالرسل الكرام، فهم أعظم الناس شهرة، وكذلك المصلحون والدعاة من بعدهم.
وما أجملَ قول الفُضَيْل ﵀:
«من أحب أن يُذكر لم يذكر، ومن كره أن يُذكر ذُكر» (١).
وقد وازن الفُضَيْل - أيضًا - هذا الأمر قائلًا:
«إن استطعت ألا تكون محدثًا ولا قارئًا ولا متكلمًا (٢)، إن كنت بليغًا قالوا: ما أبلغَه وأحسنَ حديثه وأحسنَ صوته فيعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغًا ولا حسن الصوت قالوا: ليس يحسن يحدّث وليس صوته بحسن، أحزنك ذلك وشق عليك فتكون مرائيًا، وإذا جلست فتكلمت لم تبال من ذمك ومن مدحك فتكلم» (٣).
وقد يكون المرء كارهًا للشهرة من باب التواضع الكاذب الذي سول لصاحبه أنه أضعف وأصغر من أن يشتهر ويعرف، وهذا داء سارٍ في كثير من الصالحين ولولاه لتمكنوا من ارتياد آفاق أعظم لدعوتهم ودينهم.
_________________
(١) المصدر السابق: ٢/ ٦٦٥.
(٢) أي فافعل إن كنت ممن يحب التصدر.
(٣) «نزهة الفضلاء»: ٢/ ٦٦٥.
[ ٦٢ ]