أولًا: التفرغ ليس مطلوبًا لكل أحد ولا من كل أحد:
بمعنى أن طالب التفرغ إنما يطلبه لتحقيق أمانيّ ونوازع ومطالب في نفسه لا يحققها إلا التفرغ الكلي أو الجزئي، فهو لهذا يسعى له ويجاهد للحصول عليه، ثم إنه لا يسعى لهذا إلا بعد التأكد من أن لديه قدرةً مالية يُسيرّ بها شؤونه ومتطلبات حياته.
والتفرغ ليس مهمًا إلا لعدد محدود ذوي مواهبَ وقدرات واضحة بارزة، بحيث يكون التفرغ لأمثالهم على غاية من الأهمية والإيجابية.
ولضرب المثل على أهمية التفرغ لبعض الناس فإني أذكر حال واحد من إخواني يعمل في وظيفة إدارية هامشيّة منذ عشرين سنة، وعمله هذا يمكن أن يقوم به موظف مبتدئ، ولأخي هذا طموحاتٌ كثيرة وتشتعل في نفسه نوازع متعددة لا يحققها إلا تفرغ كامل، وهو قد بلغ الأربعين، فصرت أبين له أهمية أن يحصل على تقاعد مبكر ويتخلصَ من هذه الوظيفة التي سلبته أثمن أوقاته وزهرة شبابه، ولكنه متردد إلى الآن على الرغم من وضوح الفائدة في تقاعده المبكر، والله أعلم.
فإذا لا يكون التفرغ لكل أحد، بل لأمثال أخي هذا ومن شاكله.
ثانيًا: وجوب تنسيق زمن التفرغ وترتيبه حتى تكمل الاستفادة منه:
إذ الحاصل على التفرغ الكامل أو الجزئي لا بد له من أن يضع لنفسه أهدافًا محددة لتحقيقها زمن تفرغه، فلا تضيع منه هذه الفرصة الثمينة هباءً، فكم من موظف تفرغ للدراسة ثم لم يُوفّق، وكم من مضيع لتفرغه في عمل مفضول ليس من ورائه طائل.
ثالثًا: وجوب التنسيق بين مريدي التفرغ:
فلا يتفرغ اثنان في تخصص واحد إلا لحاجة ماسة، ولا يتفرغ اثنان لتأدية عمل معين يمكن أن يؤديه متفرغ واحد.
وينبغي أن يُحرص على «العمل بجد على أن يتفرغ عدد من الكفايات في المواقع الإستراتيجية الهامة، وخصوصًا في مجال العلم والفكر، ومجال التربية والتكوين، ومجال الدعوة والإعلام » (٤).
«ومن الضروري أن يُراعى عند التفرغ التنوع والتكامل حتى تسد كل الثغرات، ولا يقع تركيز في جانب على حساب جانب أو جوانب أخرى، فلا يوجد إسراف إلا بجانبه حق مضيع» (٥).
رابعًا: ضبط الإنفاق الماديّ على مريدي التفرغ:
الإنفاق على مريدي التفرغ من المهمات التي يشجع القادرون عليها؛ إذ أن التفرغ من المهمات التي يشجع القادرون عليها؛ إذ أن التفرغ يعود على الفكر الإسلامي بفوائد إيجابية مهمة.
«ولا يجوز أن يكون المال عقبة في سبيل هذه الغاية، فإن بذلك المال لذلك من أهم ما يتقرب به إلى الله، ويمكن أن يصرف فيه من أموال الزكوات والصدقات والأوقات والوصايا وغيرها ولا يجوز للعاملين المخلصين أن يستنكفوا من أخذ الأجر الكافي الملائم لأمثالهم لو عملوا في أي مجال آخر حتى يستمروا في العمل ولا يتبرموا به، المهم هو العدل في غير إسراف ولا تقتير» (٦).
وفي نهاية هذا المطلب أريد أن أبين أن التفرغ لابد أن يُضحى له ببعض المزايا المادية، والقناعةُ باليسير أمر مهم في هذا الباب، والعائد من التفرغ على الشخص أهم بكثير مما يمكن أن يفقده حال تفرغه، والله أعلم.