التفرغ أمنية كثير من العاملين الصالحين؛ إذ هو مظنّة تحقيق كثير من أهدافهم وتطلعاتهم، والتفرغ فرصة جيدة لمراجعة الإنسان أحوالَه، ومحاولة إقامتها على الجادّة؛ إذ داومة الحياة اليومية قد تمنع المرء الالتفات إلى أحواله وشؤونه وإصلاحها وتقويمها.
قال ابن جُزَيءْ (١) رحمه الله تعالى:
لكل بني الدنيا مراد ومقصد وإن مرادي صحة وفراغُ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغًا يكون به لي في الحياة بلاغُ
ففي مثل هذا فلينافس أولو النُهى وحسبي من الدنيا الغَرور بلاغُ
فما العيش إلا في نعيم مؤبد به العيش رغد والشراب يُساغُ (٢)
وللتفرغ تعلق لا يخفى بموضوع الكتاب: التوازن عند التنازع؛ إذ لا يُتوصل لتحقيق التوازن المطلوب لإشباع النوازع المختلفة إلا بحظ وافر من التفرغ أو بتفرغ كامل.
والذين يمكن لهم أن يتفرّغوا للحصول على مطلوبهم عدد قليل بلا شك؛ إذ تكاليف الحياة وكثرة شواغلها ومشاكلها تمنع من التفرغ الكلي أو الجزئي، ولكنه لا بد مما ليس منه بُدُّ، وما لا يدرك جُلّه لا يترك كُلّه.
والناظر إلى أحوال الأئمة المؤثرين في التاريخ الإسلامي يجدهم متفرغين تمامًا لما وفقهم الله تعالى إليه ومنقطعين لتحقيقه وإتقانه، فهؤلاء أئمة الفقه الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵏ جميعًا لم يؤثر عنهم إلا الانقطاع للعلم دراسة وتدريسًا، وكذلك أمثالهم من الأئمة نحو النووي وابن تيمية (٣) والسيوطي .. إلخ.
ولا تنس - أخي - أنني قد ذكرت أن حياتهم لم تكن كحياتنا، فلم تكن الدنيا لتأخذ منهم ما أخذت منا، وليست هممهم كهممنا.
إذا كان الأمر كذلك فهل هذا التفرغ المنشود أمر ميسور أم هو خيال طامح لا يعدو أن يكون سرابًا؟
لا، بل هو أمر سهل ميسور على من يسره الله عليه، وإليك - أخي القارىء - جملةً من الإرشادات في هذا الباب تعين على تحصيل التفرغ أو بعضه:
١ - الحصول على عمل قريب من تطلعات المرء ورغباته:
كأن يكون إمامَ مسجد مثلًا، فهذا يساعده على التفوق في دراسة العلوم الشرعية، وكذلك يشبع نازع التعبد ونازع الدعوة إلخ.
أو يصبحَ مدرسًا للعلوم الشرعية، وهذا كسابقه، ويمكن - توفيرًا لمتطلبات العيش - الجمع بينهما.
أو يصبحَ صاحب مكتبه إسلامية تحقق له جملة من النوازع وتعطيه قدرًا كافيًا من التفرغ، وهكذا
٢ - الحصول على إجازة طويلة من العمل:
وهذا بوسع كل الموظفين - تقريبًا - أن ينالوه؛ إذ يستطيعون الحصول على إجازة تبلغ سنة بدون راتب مما يمكنهم أن يشبعوا جملة من النوازع والمطالب.
وإن احتج أحد بضيق الحال يقال له: اجمع من راتبك بالقدر الذي يكفيك أثناء تفرغك، والقناعة كنز لا يفنى.
والأكاديميون يُسمح لهم كل عدد معين من سنوات العمل بالحصول على إجازة سنة كاملة للتفرغ للبحث.
٣ - استبدال العمل الخفيف بالعمل الشاق:
يمكن عمل هذا بالتضحية قليلًا ببعض المزايا المادية مقابل الحصول على تفرغ نسبيّ، فإني أعرف - مثلًا - طبيبًا يعمل في مستشفى حكومي من الساعة الثامنة إلى الخامسة تقريبًا، ويمكن له أن يعمل في مستشفى خاص من الثامنة إلى الواحدة وذلك بتنازل يسير عن قليل من المزايا المادية، فإذا أراد هذا الطبيب الالتفات إلى نوازعه ومتطلباته وتحقيقها بدرجة مُرْضية فليس عليه إلا أن يستبدل الوظيفة الثانية بالأولى، مع مراعاة أن هذا الطبيب ليست الأمة في حاجة ماسة لطبه، فإن كان طبيبًا متميزًا ماهرًا فإنه لا يصح ولا ينبغي له الالتفات إلا لطبه الذي يفيد به أمته ويرفع عنها الذل والهوان - بعد فروض الأعيان -
وهكذا الشأن فيمن يعمل زمانين: صباحًا ومساء فليس عليه إلا أن يترك أحدهما إلا أن تدفعه ضرورة ملحة للجمع بينهما.
وكذلك حال إخواننا التجار ممن يعمل مددًا طويلة ويرغب في تحقيق بعض النوازع والتطلعات، فليس أمامه إلا أن يتريث قبل أن يعصر زمان شبابه لكسب مادي مجرد قد يزخرفه تحت دعاوى كثيرة.
٤ - التقاعد المبكر:
كثير من موظفي الدولة يسمح لهم بالتقاعد المبكر بعد مضي عشرين سنة على بدء العمل، فيُعطى نصفَ راتبه شهريًا مما يمكنه - غالبًا - من التفرغ مع دخل مادي مناسب، وهذه فرصة عظيمة لمن تناوشه نوازعُ نفسه وتلح عليه أن يستجيب لها منذ أمد بعيد، ولا يلتفت إلى وساوس الشيطان ووعده له بالفقر فالله تعالى لن يضيع عبدًا أقبل عليه وضحّى من أجله.
هذه أفكار مطروحة لتحقيق التفرغ الكامل أو الجزئي.
ولكن قد يقول قائل: إن دعوتك هذه لتحقيق التفرغ قد تؤدي إلى تعطيل قسم ناشط من المجتمع، وكبح طموحه الوظيفيّ، وتتدرج بالموظف إلى التبرم من وظيفته وتصورها حجرَ عثرة في طريقه، وللإجابة على هذا أحيل القارئ إلى الفقرة التالية: