قد عرضت في الصفحات الماضية النوازع المختلفة التي تتأجّج في نفس المسلم الغيور، وأَوضحُ بأن تحقيق الاتستجابة لنازع أو اثنين أمر قد يكون ميسورًا، ولكن كيف السبيل لتحقيقها كلها أو غالبها فيصير الإنسان قدوة؟
وقبل أن أجيب على هذا السؤال هناك سؤال آخر يدور بخلد الكثيرين، وهو مدى واقعية هذا المبحث وإمكانية تحققه في هذه الحياة المعقدة كثيرة المطالب.
ولابدّ قبل الإجابة على هذا السؤال التوضيح بأن
[ ٧٩ ]
هذا الكتاب كله لم يصنف لقاعدي الهمّة، أو للمحبَطين اليائسين الذين من صميم عملهم إحباط أي فكرة متفائلة أو عل الأقل الغضّ من شأنها، إنما وضع هذا الكتاب لمن هو عالي الهمة، قويّ الإرادة، ترى بريق العزم في عينيه، ويفصح لسانه عن مخبوء صدره وعقله، فإن كنت من هذا الفريق، أو ممن يطمح لأن يكون منهم فواصل القراءة مستعينًا بالله، وإن كنت من فريق المثبطين فاعزم على فراقهم، والاستئناس بما ورد في هذا الكتاب في مسيرتك الجديدة: (والله معكم ولن يتركم (١) أعمالكم) (٢).
إذًا قد يسأل سائل مستغربًا مستنكرًا: هل هذا بحث واقعي يمكن إيجاد أو تحقيق ما يصبو إليه كاتبه من كتابته؟!
_________________
(١) قال صاحب: «مختار الصحاح»: وَتَرَهُ يَتره - بالكسر - وترًا، بالكسر أيضًا: نفصه، وقوله تعالى (ولن يتركم أعمالكم) أي في أعمالكم» انظر «مختار الصحاح» (وتر).
(٢) سورة محمد - ﷺ -: [٣٥].
[ ٨٠ ]
أو هو مثاليات وكلام مُرسل لا قيد له ولا ضابط؟
وللإجابة على هذا السؤال لابد من بيان أنه حتى يُتحقق من واقعية هذا الأمر وإمكانية تطبيقه يُنظر إلى جانبين اثنين:
الأمر الأول: هل حدث مثل هذا التوازن بين المتنازعات في عصور السلف الذين فهموا الإسلام وطبقوه أو حتى فيمن جاء بعدهم؟!
وأما الأمر الآخر: هل يمكن أن يحدث هذا التوازن في هذا الزمان؟ سواء أحدث في العصر الأول أم لم يحدث؟
أما الأمر الأول فقد تحقق جزمًا فيسيرة سيد المرسلين - ﷺ -،فقد كان - ﷺ - قويَّ الإيمان، راسخ اليقين، بل أعظم الناس في هذا - ﷺ -، وكان سيد العابدين الزاهدين، وكان مجاهدًا عظيمًا، وقائدًا بطلًا شجاعًا، كما كان - ﷺ - خير الناس لأهله وأقاربه، وهو - ﷺ - كذلك - أعظم
[ ٨١ ]
الناس تربية لصحبه وأزواجه وأولاده، وهكذا لا تكاد تجد جانبًا من جوانب التفوق إلا وقد حازه رسول الله - ﷺ - على الوجه الأعظم (١).
وهناك أمثلة أخرى لبعض صحابة رسول الله - ﷺ - تتفاوت في تحقيق الجمع بين الفضائل والموازنة بينها، ولكني أحب بيان حال من جاء بعدهم لشهرة الصحابة ولقلة من يَعرف مَنْ جاء بعدهم.
وهناك مثل مضيء من عصور السلف وهو الإمام بقيّ بن مخلد محدث الأندلس وعالمها وزاهدها، وأعرض عليكم سيرته لتعرفوا ما أقصده، قال الذهبيّ رحمه الله تعالى:
_________________
(١) هناك كتب كثيرة تكفلت بإبراز جوانب العظمة والتفوق في شخصية رسولنا الكريم - ﷺ - مثل كتب السيرة، وكتب فقه السيرة، وهنك كتب تكفلت بإبراز صفاته - ﷺ - وتقريرها على الوجه الأتم وهي كثيرة فليرجع إليها للتوسع، ومن هذه الكتب «زاد المعاد»، و«بطل الأبطال» لعبد الرحمن عزّام، و«الرحيق المختوم» للمباركفوري، وغيرها كثير.
[ ٨٢ ]
«كان بَقيّ يختم القرآن كل ليلة، في ثلاثَ عشرةَ ركعة، وكان يصلي بالنَّهار مئة ركعة، ويصوم الدهر. كان كثيرَ الجهاد، فاضلًا، يذكر عنه أنه رابط اثنتين وسبعين غَزْوة.
ونقل بعض العلماء من كتاب لحفيد بَقيٍّ عبد الرحمن ابن أحمد:
كان جدِّي قد قسَّم أيامَه على أعمال البرِّ: فكان إذا صلى الصُّبح قرأ حزبه من القرآن في المصحف، سُدسَ القرآن، وكان أيضًا يَخْتم القرآن في الصلاة في كل يوم وليلة، ويَخْرج كل ليلة في الثلث الأخير إلى مسجده فيختم قُرب انصداع الفجر، وكان يُصلي بعد حزبه من المصحف صلاةً طويلةً جدًا، ثم ينقلب إلى داره - وقد اجتمع في مسجده الطلبة - فيجدِّد الوضوء، ويخرج إليه، فإذا انقضت الدُّول (١)، صار إلى صومعة المسجد، فيصلي إلى الظهر، ثم يكون هو المبتدئ
_________________
(١) النُّوَب، وهي أوقات الطلبة التي يتداولونها بينهم.
[ ٨٣ ]
بالأذان، ثم يهبط، ثم يُسمعُ (١) إلى العصر، ويصلي ويُسمع، وربما خرج بقية النهار، فيقعد بين القبور يبكي ويعتبر، فإذا غربت الشمس أتى مسجده، ثم يصلي، ويرجع إلى بيته فيفطر، وكان يسردُ الصومَ إلا يوم الجمعة، ويخرج إلى المسجد، فيخرُج إلى جيرانه، فيتكلَّم معهم في دينهم ودنياهم، ثم يصلي العشاء، ويدخل بيته، فيحدِّث أهله، ثم ينام نومه قد أخذتْها نفسُه، ثم يقوم. هذا دَأبُه إلى أن توفي. وكن جَلْدًا، قويًّا على المشي، قد مشى مع ضعيف في مَظْلَمة إلى إشبيلية، ومشى آخر إلى إلبيْرة، ومع امرأة ضعيفة إلى جَيَّان» (٢).
هذه هي سيرة الإمام بَقيّ بن مخلد، يراها كثير من الناس من ضروب الخيال، ويراها الصالحون العاملون فيعلمون أنها ترجمة علمية لحياة بعضهم ولأشواق كثير منهم.
فهو رحمة الله قد عبد الله أحد ما تكون العبادة.
_________________
(١) أي يُسمع الطلبة.
(٢) مدن أندلسية، انظر «نزهة الفضلاء»: ٢/ ٩٧٥.
[ ٨٤ ]
ولم ينس تلاميذه وأصحابه، فكان يعلمهم ويرشدهم ويوجههم.
ولم يُغفل جيرانه، فقد كان يتعهدهم بالنصح والإرشاد.
وكان يتعهد أهله ويحدثهم ويؤانسهم.
ولم يمنعه ذلك كله من الانتصار للمظلومين والسفر من أجلهم، حتى لو كان ذلك المظلوم امرأة ضعيفة.
وقد توّج أعماله الصالحة بالجهاد، فقد «كان كثير الجهاد، رابط اثنتين وسبعين غزوة».
ثمّ إنه قد فهم الشرط الأساسي والمهم لكل تلك الأعمال الصالحة حتى تدخل سجلات الخالدين ألا وهو الدوام والدأب عليه.
رحمه الله تعالى، فقد كان شخصيته المثال المطلوب المفقود.
وبهذا المثل - وهناك عشرات غيره في التاريخ
[ ٨٥ ]
الإسلامي، وإنما ضربته مثالًا لقلة من يعرفه في عصرنا - نتبين، أن هذا الأمر - أمر التوازن - قد حدث في عصور سلفنا ﵏، فحدوثه في هذا الزمان ممكن، وليس بمستغرب.
وليس على الله بمستغرب أن يجمع العالم في واحد
وأما الأمر الآخر وهو إمكانية حدوثه في هذا الزمان ففيه توضيح وضوابط:
أما التوضيح في هذا الأمر فهو أن هذا الزمان أصبح من الصعوبة والتعقيد بمكان، وقد تداعت الأعداء علينا من كل جانب، وأصبحنا نفاجأ كل يوم بجديد، وقد قلّت بركة الزمان، وكثرت فيه الهموم اليومية والمطالب الدنيوية كثرة عظيمة، وتباعدت الأمكنة والديار، وكثرت شواغل الحياة كثرة قد يعصب معها فعل هذا الأمر، ولكن هناك ضوابط إن استقامت للشخص يستطيع أن يفكر في مثل هذا ويوفقه الله في تحقيقه.
[ ٨٦ ]
وإليك - أخي القارئ - مناقشة لطيفة متوهمة بين المرء وبعض نوازعه، كتبها أحد الأفاضل، ورأيت أن أثبتها بنصها لملائمتها موضوع الكتاب ولطرافتها، فقد كتب تحت عنوان «حسم الصراع» ما يلي:
«إن تعدد الأجزاء في داخل نفسك هو أمر طبيعي، ولكن يحصل في كثير من الأحيان - كما أشرنا من قبل - أن يكون هناك صراع بين هذه الأجزاء، وقد يخف هذا الصراع حتى يتلاشى في أوقات معينة، أو ظروف معينة، فتكون في حالة عدم انسجام، وتتوقف النتيجة على المحصلة النهائية لانسجام الأجزاء، وتأثير ذلك على حياتك وأدائك.
وفي حالة احتدام الصراع واشتداده يكون من الضروري حسمه، وإنهاء النزاع بين الأجزاء، وتحقيق السلام بينهما.
وفيما يلي وصف لعملية حسم الصراع لدى شخصية رمزية (عبد الله) الذي توجد بداخله ستة أجزاء، أو ست شخصيات، فعبد الله رجل متدين، وهو موظف لدى الدولة، ومتزوج وله خمسة أولاد، وهو يحب رياضة المشي ويزاولها، كما أنه يكتب بعض المقالات في الصحف والمجلات، وحيث أن دخل عبد الله محدود فهو يفكر بعمل إضافي (تجاري) يدر عليه مالًا إضافيًا.
وقد نشأت عند عبد الله حالة من الصراع بين هذه الأجزاء المختلفة، فوقته لا يسمح بالقيام بها كلها، وكثيرًا ما يشعر بالتقصير وتأنيب الضمير تجاه واحد أو أكثر من هذه الأجزاء.
وقد استشارنا عبد الله فيما يمكن فعله لحسم هذا الصراع الداخلي في نفسه بين هذه الأجزاء الستة، فأخبرناه بأن يتخيل هذه الأجزاء الستة وكأنها أشخاص لكل منهم اهتمامه ورغباته، وأن يدعوهم إلى اجتماع لمناقشة النزاع بينهم، وطلبنا أن يقدم لنا تقريرًا عن عملية حسم الصراع لديه لنشره على القراء لعلهم يفيدوا منه، فاستجاب عبد الله، وبعد أيام وافانا مشكورًا بتقديره التالي:
يقول عبد الله: وجهت الدعوة إلى الشخصيات الست لعقد اجتماع طارئ لمناقشة موضوع الصراع وإيجاد طريقة لحله، فحضر الجميع إلى غرفة الاجتماعات في الوقت المحدد، وهو: الموظف، والأب، والرياضي، والكاتب، والعابد، والتاجر، فأخذوا أماكنهم حول طاولة الاجتماعات، وطلب عبد الله من العابد أن يترأس الجلسة ويدير الاجتماع، فقام العابد وجلس في المكان المخصص لرئاسة الاجتماع، فحمد الله وأثنى عليه، وذكّر المجتمعين بوجوب التعاون على البر والتقوى، والانتهاء عن الإثم والعدوان، وسأل: هل الحضور مكتمل؟ فقالوا: إن الجميع موجودون وليس هناك غائب، فقال: أريد أولًا أن أذكَّركم بجدول الأعمال لهذا الاجتماع، فحسب ماهو موجود في الورقة التي أمامي، حول توزيع أوقات السيد عبد الله بهدف التوصيل إلى صيغة تعطي كل ذي حق حقه بالعدل والقسطاس المستقيم، من أجل أن يستطيع السيد عبد الله القيام بأعماله وواجباته، على أحسن ما يكون القيام به.
وأود أن أوضح لكم أيها السادة أن للسيد عبد الله أربعًا وعشرين ساعة في اليوم، منها سبع ساعات للنوم، وسبع وسبعة عشرة ساعة لكم، وسوف تدور مداولات هذا الاجتماع حول ساعات اليقظة فقط، إذ لا سبيل إلى ساعات النوم؛ لأنها من حق السيد عبد الله، كما أرجو أن يكون الكلام مقتصرًا على هذا الأمر، وعدم إقحام أمور أخرى لا علاقة لها بالهدف من هذا الاجتماع، كذلك أرجو أن يكون الكلام واضحًا ومختصرًا، وأن تستأذنوا من رئيس الجلسة عند طلب الكلام، وألا يقاطع أحد منكم أحدًا أثناء حديثه، وسيقوم السيد الكاتب بتدوين محضر الجلسه فلنبدأ بسم الله. وهنا رفع التاجر يده طالبًا الكلام.
الرئيس: تفضل.
التاجر: إن شعوري بالمسؤولية جعلني أفكر في الظروف التي تحيط بالسيد عبد الله، والتبعات الملقاة على عاتقه، وقد توصلت إلى أنه من الأفضل لي ولزملائي المحترمين أن أنسحب من الجلسة عن قناعة ورضى، إذا أنني تأكدت بأني لا أستطيع أن أقوم بعملي التجاري في هذه الظروف، لذلك فلا أرغب في هذا الاجتماع، ولا أريد تخصيص أي شيء لي من وقت السيد عبد الله الآن، إن قراري هذا لا يعني إلغاء وجودي بينكم، إنما يعني تعليق مطالبي في الوقت الراهن ولمدة سنة واحدة على الأقل، على أن أحتفظ بحق المطالبة لتخصيص جزء من الوقت لي متى رأيت أن الظروف ملائمة لذلك، وشكرًا.
الرئيس: شكرًا للسيد التاجر، لقد سمعتم ما قاله زميلكم، والأمر مفتوح للمناقشة.
الموظف: لقد فوجئت بقرار السيد التاجر، ولا أعلم الدوافع الحقيقية له، ولكني أود التوضيح بأن المسؤوليات المالية تقع كلها على عاتقي، وليس لي غير الراتب الذي أتقاضاه في نهاية كل شهر، وأشعر بأن السيد عبد الله يحتاج إلى مورد مالي إضافي، وخاصة أن له زوجة وأولاد، وأن هؤلاء الأولاد سيكبرون وسيحتاجون إلى مزيد من النفقات، ولا أعلم إن كنت أستطيع القيام بذلك لوحدي، لذا أرجو من السيد التاجر أن يعيد النظر في قراره.
الأب: إنني أتفهم موقف السيد الموظف، كما أني أشعر بشعوره أيضًا، فأنا زوج وأب لخمسة أطفال، وأنا المسؤول المباشر عن إعالتهم، كما أني أتوقع ازدياد النفقات في السنوات القادمة، وكذلك الحاجة إلى المال في الحالات الطارئة، ولكني من ناحية أخرى أقدر الموقف الصريح للسيد التاجر في أنه لا يتوقع حصوله على وقت كاف لمزاولة عمل إضافي في الوقت الراهن، لذلك أرجو التأكيد من أن قرار السيد التاجر هو تعليق للأمر لمدة سنة، وليس إلغآؤه على أن يطرح الموضوع في اجتماع خاص بعد مرور السنة، كما أقترح أن يبقى السيد التاجر معنا هنا بصفة مراقب دون أن يكون له حق التصويت.
الرئيس: شكرًا للسيد الأب، هل هناك من لديه ما يقول بشأن موضوع السيد التاجر.
الكاتب: يعلم الجميع أن طلباتي متواضعة، وقد يؤيدني في ذلك السيد الرياضي؛ لأن طلباته متواضعة كذلك.
الرياضي: هذا صحيح.
الكاتب: لذلك فإني أؤيد اقتراح السيد التاجر في تعليق مشاريعه، وأرجو أن يتاح لي مزيد من الوقت لممارسة الكتابة، وخاصة أني أتوقع أن يتضاءل نصيبي إذا ما قرر التاجر البدء بأعماله.
الرئيس: يبدو أن الجميع موافقون على اقتراح السيد التاجر، وهذه علامة جيدة على الجو الودي الذي يسود الاجتماع، وإني أضم صوتي إليكم ليكون قرارًا بالإجماع، أرجو من سكرتير الجلسة السيد الكاتب تدوين هذا القرار في المحضر.
الموظف: ليسمح لي السيد الرئيس ببيان موقفي، فإن لي الآن ثمان ساعات في اليوم للقيام بأعبا وظيفتي، وأشعر بأني بحاجة إلى أمرين اثنين، الأول: هو إلغاء إجازتي السنوية ليتسنى لي إنجاز بعض الأعمال المتراكمة في مكتب؛ لأن ذلك يساعد على ترقيتي في السلم الوظيفي. والأمر الثاني: هو رجائي لرئيس الجلسة والزملاء المحترمين أن يوافقوا على تخصيص ثلاث ساعات من وقت السيد عبد الله لأستطيع القيام بعمل إ ضافي خارج ساعات العمل الرسمية، وذلك لزيارة دخل السيد عبد الله، وخاصة وأن السيد التاجر قد انسحب من المشاركة في الوقت الحاضر.
الكاتب: هذا ليس عدلًا، ولا إنصافًا، فإنك تستأثر بنصف الوقت المتاح، وأنك
الرياضي: وأنا اعترض على إلغاء الإجازة، لأنني أنتظرها ساعة بساعة، وقد وضعت برنامجًا للإفادة من وقتها، وأظن
الرئيس (مقاطعًا): أرجو من الزميل الرياضي أن لا يقاطع المتحدث حتى يكمل حديثه، ثم يطلب التحدث.
الرياضي: أرجو المعذرة.
الرئيس: تفضل أيها الكاتب، أكمل حديثك.
الكاتب: ما أردت قوله للسيد الموظف هو أننا وافقنا السيد التاجر على تعليق طلباته نظرًا لعدم وجود وقت كاف له، فكيف يطلب السيد الموظف سلخ ثلاث ساعات في اليوم من وقت السيد عبد الله، إن هذا ليس إنصافًا، كان الأجدر أن تعطى هذه الساعات الثلاث، إن توفرت للسيد التاجر، أما وأنه قد علق طلبه فإني أرجو أن تؤخذ وضعي بنظر الاعتبار، ذلك بأني أشعر بالغبن، فليس لدي إلا بضع ساعات في الأسبوع لمزاولة هوايتي في الكتابة، والكتابة كما يعلم حضراتكم تحتاج إلى القراءة، وبالتالي فإني أحتاج إلى أربع ساعات في اليوم لمواصلة الكتابة.
الرياضي: إنني أشعر بضيف بسبب الطلبات الكثيرة والمتزايدة للزملاء، ويجب أن تعلموا - أيها السادة - بأن العقل السليم في الجسم السليم، وإذا كان السيد الكاتب يطالب بأربع ساعات فلن أرضى بأقل منه، ولكني سأقتنع بساعة في اليوم لأداء مهمتي.
الأب: مهلًا مهلًا - أيها الزملاء - يبدو كل واحد منكم يتحدث وكأنه ليس هناك أحد غيره، هل نسيتم أن لي زوجة وأولادًا خمسة يحتاجون إلى رعاية، وتربية، وتوجيه، فما فائدة الكتابة والرياضة إذا ساءت أمور العائلة، وضعفت العلاقات بين أفرادها، إن أمر العائلة ورعايتها يحتاج إلى مالا يقل عن اثنتي عشرة ساعة في اليوم، كذلك أود تنبيه الزملاء إلى أمر يبدو أنهم نسوه، وهو حقوق السيد العابد رئيس الجلسة، فلديه واجبات يومية نحو ربه خمس صلوات في اليوم والليلة، وقراءة جزء من القرآن، إضافة إلى خلوة مع نفسه بين فترة وأخرى، فإذا أخذنا هذا الأمر نظر الاعتبار فلن يبقى هناك وقت للكاتب ولا للرياضي، وأظن أن ما يقومان به هو ترف لا حاجة لنا به.
الرئيس: أشكر السيد الأب على تطرقه لحقوقي، في الواقع هي حقوق الله، وكنت على وشك أن أنبه الزملاء إليها، وقد كفاني السيد الأب ذلك فجزاه الله خيرًا، إننا هنا - أيها الزملاء - لإيجاد صيغة عادلة ترضي الجميع، ولا نريد إلغاء حق أحد، ولكن يجب أن يتذكر الجميع أن لدينا سبع عشرة ساعة فقط، فلننظر إلى مجموع الساعات المطلوبة لحد الآن، ولكن قبل ذلك أود إخباركم بأني احتاج إلى ساعة واحدة في اليوم لأداء الصلوات الخمس، أما قراءة القرآن والنوافل فقد اتفقت مع السيد عبد الله على أخذ ساعة إضافية من نومه، وهذا كما تعلمون اتفاق خاص لا شأن لكم به، كما أنه لا يؤثر على الأوقات الأخرى، على أني لابد أن أبوح لكم برغبتي في أخذ مزيد من الوقت، وأرجو أن تضعوا هذا الأمر في حسابكم، وخاصة وأن الدنيا ليست بدار قرار، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا، وأملي كبير في أن يعطيني كل واحد منكم جزءًا من وقته لأستطيع التقرب إلى الله بالنوافل، وهو خير للجميع إن شاء الله، (ملتفتًا إلى الكاتب): ما هو مجموع الساعات الآن:
الكاتب: لدي الآن طلبات بالأوقات كما يلي
الموظف ١١ ساعة (٨ ساعات + ٣ ساعات إضافية).
الكاتب ٤ سعات.
الرياضي ساعة واحدة.
الأب ١٢ ساعة.
العابد ساعة واحدة.
المجموع ٢٩ ساعة.
سيدي الرئيس، لدينا ٢٩ ساعة، بينما الوقت المتاح لنا هو ١٧ ساعة فقط.
الرياضي: لقد أثر كلام السيد العابد في نفسي، وفكرت في أن هذا الجسم الصحيح الذي أريده لن ينفعها غدًا يوم يقوم الحساب، وأن الله الذي يحي ويميت ويمنح الصحة والقوة، لذلك أرجو إعطائي نصف ساعة في اليوم للمحافظة على اللياقة البدنية للسيد عبد الله، كما أرجو إعطائي بضع ساعات أخرى في أيام العطل والإجازات للاستمتاع بلعبة كرة المنضدة التي أحبها.
الموظف: لم أكن أعلم أن هناك واجبات وأعباء كثيرة بتعين على السيد عبد الله القيام بها، كما أني أعتذر للسيد التاجر عن عدم مراعاتي لتضحيته، لذلك فأورد أن أعلن عن تنازلي عن مطالبتي بالساعات الإضافية الثلاث، إلا أني أرجو من الزملاء الموافقة على إلغاء إجازتي السنوية، وهو لمدة ستة أسابيع.
الأب: وأنا كذلك أظنني أسرفت في أمر العائلة وسوف أبذلك جهدي لأن أكتفي بست ساعات فقط، من ضمنها زيارات لبعض الأقارب والأصدقاء، ولكني لا أوافق على طلب السيد الموظف بإلغاء إجازته، إذ أنها ليست حقًا له، وإنما هي للجميع.
الكاتب: يبدو أن الأنظار تتوجه إلي، فالجميع قد بادر بالتضحية ولم يبق غيري، لذا أعلن عن عزمي على الاكتفاء بساعتين في اليوم، كذلك أود التنسيق والتعاون مع السيد العابد؛ لأن أوقاتنا متجاورة، وغالبًا ما تكون في الليل أو في أوقات الخلوة.
الرئيس: على الرحب والسعة، وأود إخبارك بأني على علاقة جيدة بالسيد عبد الله، وهو لا يبخل علي بجزء من ساعات نومه كلما احتجت ذلك للصلاة وللقيام.
الرياضي: سيادة الرئيس، أرجو الانتباه إلى أن السهر يضر بالصحة.
الرئيس: أعلم ذلك، وليس الغرض هو تجاوز الحقوق، فإن رسول الله - ﷺ - يقول: «إن لبدنك عليك حقًا »، والآن يقرأ علينا السيد الكاتب الأوقات الجديدة المخصصة لكل زميل.
الكاتب: لدينا الآن:
الموظف ٨ ساعات.
الكاتب ساعتان.
الرياضي ٠،٥ ساعة.
العابد ساعة واحدة، مع وعد من الكاتب بالتعاون.
المجموع ١٧،٥ ساعة.
الأب: يبدو أن المجموع هو ١٧،٥ ساعة، أرجو من الزميل الرياضي أن يتعاون معي، وسوف أجد له الوقت اللازم مما هو مخصص لي، وخاصة وأنني أشرك الأولاد في بعض الألعاب الرياضية، فهم يحبون كرة القدم.
الرياضي: فكرة ممتازة، سوف أعمل على تدريبهم على كرة المنضدة أيضًا، وسأجري مباريات معهم.
الموظف: بقيت قضية الإجازة وهي ستة أسابيع.
الرئيس: إني أقترح أن تأخذ أسبوعين وتدع أربعة لزملائك الآخرين. ما هو رأيكم؟
الجميع (يهزون رؤوسهم): موافقون.
الرئيس: هل هناك شيء آخر يود أحد منكم قوله؟
الصمت علامة الرضا، أرجو أن يكون كل منكم سعيدًا بما كتب الله له، وأدعو الله تعالى أن يوفقكم ويبارك لك في أوقاتكم.
(يلتفت إلى الكاتب): سجّل، تم الاتفاق بالإجماع شكرًا لكم، وفي رعاية الله) (١).
_________________
(١) «آفاق بلا حدود»: ٨٦ - ٩٤.
[ ٧٩ ]