أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعَالِي بْنُ بُنْدَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ النِّعَالِيُّ أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَاقَرْحِيُّ أنا الْحَسَنُ أنا إِسْمَاعِيلُ بن عيسى أنا إسحاق بن بِشْرٍ أنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كان في بني إسرائيل عابد قَدْ أُعْجِبُوا بِهِ فَذَكَرُوهُ يَوْمًا عِنْدَ نَبِيِّهِمْ فَأَثْنَوْا! عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَكَمَا تَقُولُونَ لَكِنَّهُ تَارِكٌ لِشَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ.
فَبَلَغَ الْعَابِدَ فَقَالَ: فَعَلامَ أُدَئِّبُ نَفْسِي؟!.
قَالَ: فَهَبَطَ مِنْ مَكَانِهِ فَأَتَى النَّبِيَّ وَعِنْدَهُ النَّاسُ وَالنَّبِيُّ لا يَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بَلَغَنِي أَنِّي ذُكِرْتُ عِنْدَكَ فَقُلْتُ: إِنَّهُ لَكَذَلِكَ لَوْلا أَنَّهُ تَارِكٌ لِشَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ فَفِيمِ أُدَئِّبُ نَفْسِي بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَعْتَزِلُ النَّاسَ وَإِنَّمَا أَطْلُبُ سُنَّةَ الرَّبِّ - ﷿ -.
قَالَ: أَنْتَ فُلانٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ شَيْءٌ أَحْدَثْتَهُ فِي الإِسْلامِ وَلَكِنَّكَ لَمْ تَتَزَوَّجْ قَالَ: لَهُ الْعَابِدُ: وَلَيْسَ إِلا هَذَا؟ قَالَ: لا.
[ ٣٧ ]
قَالَ: فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ اسْتِهَانَتَهُ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ فَعَلَ النَّاسُ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ مَنْ كَانَ يَتَّقِي الْعَدُوَّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ كَانَ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ؟ قَالَ: وَذَكَرَ الصَّلاةَ.
قَالَ لَهُ: الْعَابِدُ صَدَقْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا أُحَرِّمُهُ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً وَأَنَا فَقِيرٌ فَأُعْضِلُهَا وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أُنْفِقُ عَلَيْهَا وَأَمَّا الأَغْنِيَاءُ فَلا يُزَوِّجُونَنِي.
فَقَالَ لَهُ: النَّبِيُّ مَا بِكَ إِلا هَذَا؟ قَالَ: فَمَا بِي إِلا هَذَا قَالَ: أَنَا أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ قَالَ: فَزَوَّجَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَاللَّهِ مَا وُلِدَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَوْلُودٌ ذَكَرٌ قَطُّ كَانُوا أَشَدَّ فَرَحًا بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْغُلامِ.
قَالَ: قَالُوا: ابْنُ نَبِيِّنَا وَابْنُ عَابِدِنَا! إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَبْلُغَ بِنَا مَا بَلَغَ رَجُلٌ.
قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ الْغُلامُ انْقَطَعَ إِلَى عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَانْقَطَعُوا إِلَيْهِ وَكَثُرُوا عِنْدَهُ قَالَ: فَبَيْنَا هُمْ عِنْدَهُ يَوْمًا إِذْ قَالَ: إِنِّي أَرَاكُمْ كَثِيرًا فَمَا بال الْقَوْمِ قَاهِرِينَ لَكُمْ.
فَقَالُوا: إِنَّ لَهُمْ رَأْسًا يَجْمَعُهُمْ وَلَيْسَ لَنَا رَأْسٌ قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ إِلا هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَأَنَا رَأْسُكُمْ قَالُوا: وَتَفْعَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَخَرَجَ وَخَرَجُوا مَعَهُ.
قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَبَلَغَ أَبَاهُ فَاجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى النَّبِيِّ وَأَبُوهُ مَعَهُمْ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُذَكِّرُهُ بِاللَّهِ وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلامِ فَأَبَى.
فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَخَرَجَ أَبُوهُ مَعَهُ فَالْتَقَى الْقَوْمُ وَاقْتَتَلُوا حَتَّى كَثُرَتِ الدِّمَاءُ فِيهِمْ وَقُتِلَ النَّبِيُّ وَقُتِلَ أَبُوهُ مَعَ النَّبِيِّ وَانْهَزَمَ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَاتَّبَعَهُمْ يُفْنِيهِمْ وَيَبْعَثُ فِي آثَارِهِمْ يَقْتُلُهُمْ.
قَالَ: فَلَحِقَ أَحْبَارُهُمْ بِالْجِبَالِ وَاسْتَقَامَ لَهُ النَّاسُ قَالَ: فَجَعَلَتْ نَفْسُهُ لا تَدَعُهُ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْمُلْكَ لا يَسْتَقِيمُ لَهُ حَتَّى يُفْنِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: فَجَعَلَ يَبْعَثُ فِي طَلَبِهِمْ فِي الْجِبَالِ يَقْتُلُهُمْ فَاسْتَقَامَ لَهُ النَّاسُ وَاشْتَدَّ مُلْكُهُ.
فَلَمَّا رَأَى أَحْبَارُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا يَفْعَلُ بِهِمْ قَالُوا: خلينا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ وَعَنْ مُلْكِهِ وَلَيْسَ يَدَعُنَا! لَقَدْ بُؤْنَا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ فَرَرْنَا عَنْ نَبِيِّنَا وَعَابِدِنَا حَتَّى قُتِلا وَلَيْسَ يَدَعُنَا فَتَعَالَوْا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ - ﷿ - وَنَلْقَى هَذَا الرَّجُلَ فَنُقَاتِلُ وَنَحْنُ تَائِبُونَ.
[ ٣٨ ]
قَالَ: فَوَلَّوْا رَجُلا مِنْهُمْ أَمْرَهُمْ وَبَايَعُوا لَهُ وَهَبَطُوا وَقَدْ وَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْمَوْتِ وَتَابُوا إِلَى اللَّهِ - ﷿-.
قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ حَتَّى حَالَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ ثَمَّ غَدَوْا فَاقْتَتَلُوا حَتَّى كَثُرَتِ الدِّمَاءُ فِي الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى حَالَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَغَدَوُا الْيَوْمَ الثَّالِثَ وَقَدْ صَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ للَّهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا وَقَالَ: لَهُمْ صَاحِبُهُمْ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ تَابَ عَلَيْكُمْ وَقَبِلَ تَوْبَتَنَا فَإِنِّي أَرَى الصَّبْرَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَصَارَتِ الرِّيحُ لَنَا فَإِنْ ظَفَرْتُمْ بِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَأْخُذُوهُ سَلِيمًا فَلا تَقْتُلُوهُ.
قَالَ: فَاقْتَتَلُوا إِلَى قَرِيبٍ مِنَ اللَّيْلِ لا هَؤُلاءِ يَفِرُّونَ وَلا هَؤُلاءِ يَهْرُبُونَ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ وَعَرَفَ اللَّهُ مِنْهُمُ الصِّدْقَ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوهُ سَلِيمًا فَأَتَوْا بِهِ.
قال: فاجتمع بنوا إِسْرَائِيلَ إِلَى صَاحِبِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: مَا جَزَاءُ رَجُلٍ مِنْ أَنْفُسِنَا قَتَلَ نَبِيَّنَا وَقَتَلَ وَالِدَهُ وَأَدْخَلَ عَلَيْنَا عَبَدَةَ الأَوْثَانِ حَتَّى قَتَلُونَا وَشَرَّدُونَا فِي الْبِلادِ؟ فَقَائِلٌ يَقُولُ: احْرِقُوهُ! وَقَائِلٌ يَقُولُ: قَطِّعُوهُ! وَقَائِلٌ يَقُولُ: عَذِّبُوهُ! فَكُلَّمَا قَالُوا لَهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا قَالَ: هَذَا يَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ قَالُوا: فَأَنْتَ أَعْلَمُ.
قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ نَأْخُذَهُ فَنَصْلِبَهُ حَيًّا وَلا نُطْعِمَهُ وَلا نَسْقِيَهُ وَلا نَقْتُلَهُ وَنَدَعَهُ حَتَّى يَمُوتَ قَالُوا لَهُ: افْعَلْ فَصُلِبَ حَيًّا وَجَعَلُوا عَلَيْهِ الْحَرَسَ.
قَالَ: فَمَكَثَ يَوْمَهُ وَمِنَ الْغَدِ وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ حَتَّى أَمْسَى فَلَمَّا أَمْسَى رَأَى الْمَوْتَ فَدَعَا آلِهَتَهُ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ - ﷿ - قَالَ: فَبَدَأَ بِأَفْضَلِهَا فِي نَفْسِهِ فَيَدْعُوهُ فَإِذَا لَمْ يُجِبْهُ جَاوَزَهُ وَدَعَا الآخَرَ فَأَتَى عَلَى آلِهَتِهِ جَمِيعًا يَدْعُوهُمْ فَلا يُجِيبُونَهُ وَذَلِكَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ.
قَالَ: اللَّهُمَّ إِلَهَ جَدِّي وَأَبِي إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَدَعَوْتُ هَذِهِ الآلِهَةَ الَّتِي كُنْتُ أَعْبُدُهَا مِنْ دُونِكَ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهَا خَيْرٌ لأَجَابَتْنِي فَاغْفِرْ لِي وَخَلِّصْنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ فَتَحَلَّلَتْ عَنْهُ الْعُقَدُ فَإِذَا هُوَ فِي أَسْفَلِ الْجِذْعِ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ: فَجَعَلَ يَدْعُو صَنَمًا صَنَمًا فَلا يُجِيبُهُ أَحَدٌ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: يَا حَنَّانُ! يَا مَنَّانُ! أَشْهَدُ أَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِنْ لَدُنْ عَرْشِكَ إِلَى قَرَارِ أَرْضِكَ بَاطِلٌ إِلا وَجْهَكَ الْكَرِيمُ أَنْتَ فَأَغِثْنِي.
قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ - ﷿ - مَلَكًا فَحَلَّهُ عَنْ خَشَبَتِهِ فَأَنْزَلَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَخَذَهُ الْحَرَسُ فَأَتَوْا بِهِ صَاحِبَهُمْ وَاجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ،
[ ٣٩ ]
فَقَالَ: مَا تَأْمُرُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: مَا تَرَى فِيهِ اللَّهُ - ﷿ - حَلَّهُ وَتَقُولُ لَنَا: مَا تَأْمُرُونَ فِيهِ؟!.
قَالَ: صَدَقْتُمْ وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتَأْمِرَكُمْ قَالَ: فَخَلُّوا عَنْهُ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَهُ رَجُلٌ خَيْرًا مِنْهُ وَلا أَفْضَلَ.
[ ٤٠ ]