قَالَ إِسْحَاقُ: وَأَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ وَمُقَاتِلٌ عن الضحاك عن ابن عباس قَالَ: لَمَّا أَيِسَ يُونُسُ - ﵇ - مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِ دَعَا رَبَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا رَبِّ! إِنَّ قَوْمِي أَبَوْا إِلا الْكُفْرَ فَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ نِقْمَتَكَ.
فَأَوْحَى اللَّهُ - ﷿ - إِلَيْهِ: إِنِّي أُنْزِلُ بِقَوْمِكَ الْعَذَابَ قَالَ: فَخَرَجَ عَنْهُمْ يُونُسُ وَأَوْعَدَهُمُ الْعَذَابَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيام وأخرج أهله ومع ابْنَاهُ صَغِيرَانِ فَانْطَلَقَ حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ فَصَعِدَ جَبَلا يَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى وَيَتَرَقَّبُ الْعَذَابَ.
وَبَعَثَ اللَّهُ - ﷿ - جِبْرِيلَ فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ فَقُلْ لَهُ يُخْرِجْ مِنْ سَمُومِ جَهَنَّمَ عَلَى قَدْرِ مِثْقَالِ: شَعِيرَةٍ ثُمَّ انْطَلِقْ بِهِ فَأَحِطْ بِهِ أَهْلَ مَدِينَةِ نِينَوَى.
قَالَ: فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ رَبُّهُ - ﷿ - وَعَايَنَ قَوْمُ يُونُسَ الْعَذَابَ لَمَّا هَبَطَ لِلْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَ لَهُمْ يُونُسُ.
قَالَ: أَبُو الْجَلْدِ إِنَّ الْعَذَابَ لَمَّا هَبَطَ عَلَى قَوْمِ يُونُسَ فَجَعَلَ يَحُومُ على رؤوسهم مِثْلَ قِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَّمَا اسْتَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَعَلِمُوا أَنَّ يُونُسَ قَدْ صَدَقَهُمْ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: نَجْتَمِعُ إِلَى اللَّهِ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ.
[ ٤٥ ]
قَالَ: فَخَرَجُوا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: تَلُّ الرَّمَادِ وَتَلُّ التَّوْبَةِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ: تَلَّ الرَّمَادِ لأَنَّهُمْ خَرَجُوا جَمِيعًا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْعَوَاتِقُ وَأَخْرَجُوا مَعَهُمْ أَنْعَامَهُمْ وَبَهَائِمَهُمْ فَمَيَّزُوا بَعْضَ الْمَرَاضِعِ وَأَوْلادِهَا وَالْبَهَائِمِ وَأَوْلادِهَا وجعلوا الرماد على رؤوسهم وَوَضَعُوا الشَّوْكَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ وَالصُّوفَ ثُمَّ اسْتَجَارُوا بِاللَّهِ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْبُكَاءِ وَالدُّعَاءِ فَعَلِمَ اللَّهُ - ﷿ - مِنْهُمُ الصِّدْقَ.
فَقَالَتِ: الْمَلائِكَةُ يَا رَبِّ! رَحْمَتُكَ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَهَؤُلاءِ الأَكَابِرُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ تُعَذِّبُهُمْ فَمَا بَالُ الأَصَاغِرِ وَالْبَهَائِمِ؟ فَقَالَ اللَّهُ - ﷿ - يَا جِبْرِيلُ: ارْفَعْ عَنْهُمُ الْعَذَابِ فَقَدْ قَبِلْتُ تَوْبَتَهُمْ يَقُولُ اللَّهَ - ﷿ -: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]
أخبرنا علي بن عساكر أنا أبو طالب أنا أبو علي التميمي أنا أبو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد ثنا أبي ثنا هشيم ثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد قال:
إن العذاب لما هبط عَلَى قَوْمِ يُونُسَ فَجَعَلَ يَحُومُ على رؤوسهم مثل قطع الليل المظلم فمشى ذوو العقول منهم إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: إنا قد نزل بنا ما ترى فعلمنا دعاء ندعو به عسى الله أن يرفع عنا العقوبة.
فقال: قولوا: يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت.
قال: فكشف الله - ﷿ – عنهم.
وعن الحسن أن يونس - ﵇ - بعد ما أنجاه الله من بطن الحوت رجع فمر براع من رعاة قومه وهو في برية يرعى غنما فقال يونس للراعي: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا من قوم يونس بن متى قال يونس: فما فعل يونس؟ قال: لا ندري ما حاله غير أنه كان خير الناس وأصدق الناس أخبرنا عن العذاب فجاءنا على ما قال: فتبنا إلى الله فرحمنا فنحن نطلب يونس ولا ندري أين هو ولا نسمع له بذكر.
قال يونس: هل عندك من لبن؟ قال: لا والذي أكرم يونس ما مطرت السماء ولا أعشبت الأرض منذ فارقنا يونس قال: ألا أراكم تحلفون بإله يونس؟ قال: لا نحلف بغير إله يونس من فعل في مدينتنا فحلف بغير إله يونس نزع
[ ٤٦ ]
لسانه من قفاه فقال له: يونس: متى استحدثتم هذا؟ قال: لما كشف الله عنا العذاب.
قال يونس: ائتني بنعجة قال: فأتاه بنعجة مسلوبة فمسح يده على بطنها ثم قال لها: دري بإذن الله فدرت فاحتلبها يونس فشرب يونس والراعي.
فقال الراعي: إن كان يونس حيا فأنت هو.
قال: أنا يونس فأت قومك فأقرئهم مني السلام قال: إن الملك قال: من أتاني فأعلمني أنه رأى يونس وجاءني ذلك ببرهان خلعت له ملكي وجعلته مكاني ولحقت بيونس فلا أستطيع [أن] أبلغه ذلك إلا بحجة فإني أخاف أن يقال لي: إنما قلت هذا لقول الملك وطمعت في ملكه وكذبت وليس أحد منا يكذب اليوم كذبة إلا قتلوه وأنت أعظم في أعينهم من ذلك أن أجيئهم بما يكذبوني ويقتلوني.
قال يونس: تشهد لك الشاة التي شربنا منها لبنا وهو مستند إلى صخرة فقال للصخرة: اشهدي له.
قال ابن سمعان: إن يونس قال: للراعي انطلق إلى قومك فبلغهم عني السلام وأخبرهم أنك قد رأيتني قال: فانطلق الراعي فأخبرهم فكذبوه فلما شهدت الصخرة والشاة اجتمعوا فبكوا على ذكر يونس ولم يروه. وقالوا للراعي: أنت خيرنا وسيدنا حين رأيت يونس فملكوه عليهم وقالوا: لا ينبغي أن يكون فينا أحد أرفع منك ولا نعصي لك أمرا بعدما رأيت يونس رسول الله فكان ذلك آخر العهد بيونس.
قال: وملكهم الراعي أربعين سنة.
[ ٤٧ ]