أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ النَّقُّورِ أنا أبو الحسن علي بن مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ أنا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بِشْرَانَ أنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ السَّامَرِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الأُطْرُوشُ ثنا سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ:
أَسْلَمَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَكَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَيَخِفُّ لَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ فَمَرَّ بِبَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَرَأَى امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَغْتَسِلُ وَخَافَ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا صَنَعَ فَخَرَجَ هَارِبًا عَلَى وَجْهِهِ.
[ ٦٩ ]
فَأَتَى جِبَالا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَوَلَجَهَا.
فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَإِنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - نَزَلَ عَلَى النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنَّ رَجُلا مِنْ أُمَّتِكَ بَيْنَ هَذِهِ الْجِبَالِ يَتَعَوَّذُ بِي فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: "يَا عُمَرُ وَيَا سَلْمَانُ! انْطَلِقَا فَأْتِيَانِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ".
فَخَرَجَا مِنْ أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ فَلَقِيَا رَاعِيًا مِنْ رُعَاةِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: ذُفَافَةُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِشَابٍّ بَيْنَ هَذِهِ الْجِبَالِ يُقَالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ؟ قَالَ: لَعَلَّكَ تُرِيدُ الْهَارِبَ مِنْ جَهَنَّمَ فَقَالَ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ بِأَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ جَهَنَّمَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ إِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ خَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ وَهُوَ يُنَادِي: يَا لَيْتَكَ قَبَضْتَ رُوحِي فِي الأَرْوَاحِ وَجَسَدِي فِي الأَجْسَادِ وَلَمْ تُجَرِّدْنِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ! فَقَالَ عُمَرُ: إِيَّاهُ نُرِيدُ فَانْطَلَقَ بِهِمَا.
فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنَ تِلْكَ الْجِبَالِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ وَهُوَ يُنَادِي: يَا لَيْتَكَ قَبَضْتَ رُوحِي فِي الأَرْوَاحِ وَجَسَدِي فِي الأَجْسَادِ وَلَمْ تُجَرِّدْنِي لِفَصْلِ الْقَضَاءِ.
قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِ عُمَرُ فَاحْتَضَنَهُ فَقَالَ: يَا عُمَرُ! هَلْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَنْبِي؟ قَالَ: لا عِلْمَ لِي إِلا أَنَّهُ ذَكَرَكَ بِالأَمْسِ فَأَرْسَلَنِي وَسَلْمَانَ فِي طَلَبِكَ.
قَالَ: يَا عُمَرُ! لا تُدْخِلْنِي عَلَيْهِ إِلا وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَابْتَدَرَ عُمَرُ وَسَلْمَانُ الصَّفَّ فَلَمَّا سَمِعَ ثَعْلَبَةُ قِرَاءَةَ النَّبِيُّ ﷺ خَرَّ مُغْشِيًا عَلَيْهِ.
فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "يَا عُمَرُ! يَا سَلْمَانُ! مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ؟ " قَالا: هَا هوذا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَرَّكَهُ فَانْتَبَهَ.
فَقَالَ لَهُ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا غَيَّبَكَ عَنِّي؟ " قَالَ: ذَنْبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَى آيَةٍ تَمْحُو الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا؟ " قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "قُلْ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . [البقرة: ٢٠١] ".
قَالَ: ذَنْبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْظَمُ قَالَ: "بَلْ كَلامُ اللَّهِ أَعْظَمُ". ثُمَّ أَمَرَهُ بِالانْصِرَافِ إِلَى مَنْزِلِهِ.
فَمَرِضَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ إِنَّ سَلْمَانَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لَكَ فِي ثَعْلَبَةَ فَإِنَّهُ لِمَا بِهِ قَدْ هَلَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ".
فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ رَأْسَهُ فوضعه عن حجره فأزال رأسه عن حجر
[ ٧٠ ]
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: "لِمَ أَزَلْتَ رَأْسَكَ عَنْ حِجْرِي؟ " قَالَ: لأَنَّهُ مَلآنٌ مِنَ الذُّنُوبِ قَالَ: "مَا تَشْتَكِي؟ " قَالَ: مِثْلَ دَبِيبِ النَّمْلِ بَيْنَ عَظْمِي وَلَحْمِي وَجِلْدِي قَالَ: "مَا تَشْتَهِي؟ " قَالَ: مَغْفِرَةَ رَبِّي قَالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - ﵇ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكَ: لَوْ أَنَّ عَبْدِي هَذَا لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً لَقِيتُهُ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً قَالَ: فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَصَاحَ صَيْحَةً فمات.
[ ٧١ ]