وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأَمَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ثنا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السُّبَيْعِيُّ قَالَ:
لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ لا أَسْكُنُ أَرْضًا أَرَى فِيهَا قَاتِلَ أَبِي الْحَكَمِ! فَانْطَلَقَ يَرْكَبُ الْبَحْرَ وَعَمَدَ خَتَنُهُ أَبُو امْرَأَتِهِ فَأَمَرَ زَوْجَتَهُ فَتَعَصَّبَتْ ثُمَّ تَلَقَّتْهُ فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا سَيِّدَ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ؟ تَذْهَبُ إِلَى أَرْضٍ لا تُعْرَفُ بِهَا؟ فَأَبَى أَنْ يُطِيعَهَا.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ أَسْلَمَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ امْرَأَةُ عِكْرِمَةَ فِي عَشْرِ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَتَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالأَبْطَحِ فَبَايَعْنِهِ فَدَخَلْنَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ زَوْجَتَاهُ وَابْنَتُهُ فَاطِمَةُ وَنِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الْمُطِّلَبِ فَتَكَلَّمَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ الدِّينَ الَّذِي اخْتَارَ لِنَفْسِهِ لَتَمَسُّنِي رَحِمُكَ يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي امْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ مُصَدِّقَةٌ ثُمَّ كَشَفَتْ عَنْ نِقَابِهَا فَقَالَتْ: هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ.
فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَرْحَبًا بِكِ" فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ خِبَائِكِ وَلَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ خِبَائِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَزِيَادَةُ أَيْضًا". ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِنَّ الْقُرْآنَ وَبَايَعَهُنَّ.
ثُمَّ قَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عِكْرِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ هَرَبَ عِكْرِمَةُ مِنْكَ إِلَى الْيَمَنِ وَخَافَ أَنْ تَقْتُلَهُ فَأَمِّنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُوَ آمِنٌ".
فَخَرَجَتْ أُمُّ حَكِيمٍ فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكَتْهُ وَقَدِ انْتَهَى إِلَى سَاحِلٍ مِنْ سَوَاحِلِ تُهَامَةَ فَجَعَلَ نُوتِيُّ السَّفِينَةِ يَقُولُ لَهُ: أخلص! قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَا هَرَبْتُ إِلا مِنْ هَذَا.
[ ٧٨ ]
فَجَاءَتْ أُمُّ حَكِيمٍ عَلَى هَذَا مِنَ الأَمْرِ فَجَعَلَتْ تَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ! جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَفْضَلِ النَّاسِ وَأَبَرِّ النَّاسِ وَخَيْرِ النَّاسِ لا تُهْلِكْ نَفْسَكَ! وَقَالَتْ: إِنِّي قَدِ اسْتَأْمَنْتُ لَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَنْتِ فَعَلْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَنَا كَلَّمْتُهُ فَأَمَّنَكَ فَرَجَعَ مَعَهَا.
قَالَ: وَجَعَلَ عِكْرِمَةُ يَطْلُبُ امْرَأَتِهِ لِيُجَامِعُهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ وَتَقُولُ: إِنَّكَ كَافِرٌ وَأَنَا مُسْلِمَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّ أَمْرًا مَنَعَكِ مِنِّي لأَمْرٌ كَبِيرٌ.
فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عِكْرِمَةَ وَثَبَ إِلَيْهِ وَمَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رِدَاءٌ فَرَحًا بِعْكِرِمَةَ. ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَقَفَ عِكْرِمَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ مُتَنَقِّبَةٌ ثُمَّ قَالَ عِكْرِمَةُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي خَيْرَ شَيْءٍ أَقُولُهُ فَقَالَ: "تَقُولُ أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
فَقَالَ عِكْرِمَةُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: "تَقُولُ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأُشْهِدُ مَنْ حَضَرَ أَنِّي مُسْلِمٌ مُهَاجِرٌ".فَقَالَ عِكْرِمَةُ ذَلِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا تَسْأَلْنِي الْيَوْمَ شَيْئًا أُعْطِيهِ أَحَدًا إِلا أَعْطَيْتُكُهُ". فَقَالَ عِكْرِمَةُ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِي كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَيْتُكُهَا أَوْ مَسِيرٍ أَوْضَعْتُ فِيهِ أَوْ مَقَامٍ لَقِيتُكَ فِيهِ أَوْ كَلامٍ قُلْتُهُ فِي وَجْهِكَ أَوْ أَنْتَ غَائِبٌ عَنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا وَكُلَّ مَسِيرٍ سَارَ فِيهِ إِلَي مَوْضِعًا يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمَسِيرِ إِطْفَاءَ نُورِكَ وَاغْفِرْ لَهُ كُلَّ مَا نَالَ مِنِّي مِنْ عِرْضٍ فِي وَجْهِي أَوْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهُ".
فَقَالَ عِكْرِمَةُ: رَضِيتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أَدَعُ نَفَقَةً كُنْتُ أُنْفِقُهَا فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَنْفَقْتُ ضِعْفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا قتال كُنْتُ أُقَاتِلُ فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَبْلَيْتُ ضِعْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَجْتَهِدُ فِي الْقِتَالِ حَتَّى أُقْتَلَ.
قَالَ: فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى قُتِلَ ﵀.
وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَرْمُوكِ تَرَجَّلَ عِكْرِمَةُ فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: لا تَفْعَلْ فَإِنَّ مُصَابَكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَدِيدٌ فَقَالَ: دَعْنِي يَا خَالِدُ! فَإِنَّهُ كَانَتْ لَكَ سَابِقَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ فَوُجِدَ بِهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ مِنْ بَيْنِ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةِ وَرَمْيَةٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ: اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ
[ ٧٩ ]
وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَأَتَوْا بِمَاءٍ وَهُمْ صَرْعَى فَتَدَافَعُوهُ كُلَّمَا دُفِعَ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ قَالَ: اسْقِ فُلانًا حَتَّى مَاتُوا وَلَمْ يَشْرَبُوهُ.
قَالَ: طَلَبَ الْمَاءَ عِكْرِمَةُ فَنَظَرَ إِلَى سُهَيْلٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَى الْحَارِثِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ حَتَّى مَاتُوا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
[ ٨٠ ]