أخبرنا أبو منصور جعفر بن عبد الله بن الدامغاني أنا أبو الحسين المبارك بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصَّيْرَفِيُّ أنا أبو منصور بن السواق أنا أبو القاسم إبراهيم بن أحمد الخرقي أنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن سفيان أنا أبو جعفر أحمد بن
[ ٨٤ ]
عبيد بن ناصح أنا محمد بن [عمر] الواقدي وذكر أمر طليحة بن خويلد حين تنبأ وقتاله إلى أن كسر عسكره.
قال: فحدثني موسى بن محمد إبراهيم التميمي عن أبيه قال:
لما رأى طليحة أن الناس يقتلون ويؤسرون أعد فرسه وهيأ امرأته عنده فوثب على فرسه وحمل امرأته فنجا بها وقال: من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت فليفعل.
ثم هرب حتى قدم الشام فأقام عند بني جفنة الغسانيين حتى فتح الله أجنادين وتوفي أبو بكر.
فقدم في خلافة عمر مكة محرما فلما رآه عمر قال: يا طليحة! لا أحبك بعد قتلك الرجلين الصالحين: عكاشة وثابت بن أقرم - وكان قتلهما هو وأخوه - قال: يا أمير المؤمنين! رجلان أكرمهما الله بيدي ولم يهني بأيديهما وما كل البيوت بنيت على الحب ولكن صفحة جميلة فإن الناس يتصافحون على الشنآن.
وأسلم إسلاما صحيحا ولم يغمص عليه في إسلامه.
وقال: يعتذر ويذكر ما كان منه:
ندمت على ما كان من قتل ثابت وعكاشة الغنمي ثم ابن معبد
وأعظم من هاتين عندي مصيبة رجوعي عن الإسلام فعل التعمد
وتركي بلادي والحوادث جمة طريدا وقدمًا كنت غير مطرد
فهل يقبل الصديق أني مراجع ومعط بما أحدثت من حدث يدي
وأني من بعد الضلالة شاهد شهادة حق لست فيها بملحد
بان إله الناس ربي وأنني ذليل وأن الدين دين محمد
قال الواقدي: وحدثني محمد بن يعقوب أن طليحة خرج غازيا هو وأصحابه يريدون الروم فركبوا البحر فبينما هم ملججين فيه إذ ناداهم قادس من تلك القوادس فيه ناس من الروم فقالوا لهم: إن شئتم أن تقفوا لنا حتى نثب في سفينتكم وإن شئتم وقفنا لكم حتى تثبوا علينا في سفينتنا.
قال طليحة لأصحابه: ما يقولون؟ فأخبروه فقال طليحة: لأضربنكم بسيفي ما استمسك في يدي أو لتقربن سفينتنا إليهم قال: فدنا القوم بعضهم من بعض.
قال طليحة لأصحابه: اقذفوني في سفينتهم فرموا به في سفينتهم فغشيهم
[ ٨٥ ]
بسيفه حتى تطايروا منه فغرق من غرق واستسلم من استسلم فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأعجبه.
وذكر سيف بن عمر عن أبي عمرو عن أبي عثمان النهدي قال: أخرج سعد طليحة في خمسة وعمرو بن معدي كرب في خمسة - يعني عيونا له - صبيحة قدم رستم الجالينوس وذا الحاجب فرجع عمرو وأصحابه وأصحاب طليحة لما رأوا كثرة عدوهم.
ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم وبات فيه يجوسه فلما أدبر الليل خرج وقد أتى أفضل من توسم في ناحية العسكر فإذا فرس لم ير في خيل القوم مثله وفسطاط أبيض لم ير مثله فانتضى سيفه فقطع مقود الفرس فركبه وخرج يعدو به.
ونذر به الرجل والقوم فركبوا الصعبة والذلول في طلبه فأصبح وقد لحقه فارس فلما غشيه وبوأ له الرمح ليطعنه عدل طليحة فرسه فندر الفارسي بين يديه فكر عليه طليحة فقصم ظهره بالرمح ثم لحقه آخر ففعل به مثل ذلك ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك فلما كر عليه طليحة عرف أنه قاتله فاستأسر فأمره طليحة أن يركض بين يديه ففعل حتى غشيا عسكر المسلمين وهم على تعبئة فأفزع الناس وجوزوه إلى سعد فأخبره بما صنع.
وجيء بالترجمان فأقيم بين يدي سعد والفارسي.
فقال الفارسي: أخبركم عن صاحبي هذا قبل أن أخبركم عما قبلي باشرت الحروب وغشيتها وسمعت بالأبطال ولقيتها منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى فلم أسمع بمثل هذا أن رجلا قطع عسكرين لا تجترىء عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما دون ذلك فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند وهتك أطناب بيته فأنذره وأنذرنا به فأدركه فارس الناس يعدل بألف فارس فقتله ثم أدركه الثاني وهو نظيره فقتله ثم أدركته ولا أظنني خلفت بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين وهما ابنا عمي فرأيت الموت فاستأسرت.
ثم أخبره عن أهل فارس أن الجند عشرون ومائة ألف وأسلم الرجل.
وعاد طليحة وقال: والله لا تغلبون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح فكان من أهل البلاء يومئذ.
[ ٨٦ ]