أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ثنا حَمَدٌ قَالَ: أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ: أَنْبَأَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ ثنا أَبُو عُمَرَ الْجَرْمِيُّ النَّحْوِيُّ ثنا الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ:
حَجَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ بِمَكَّةَ إِذْ سَمِعْتُ قَرْعَ الْبَابِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَخَرَجْتُ مُسْرِعًا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لأَتَيْتُكَ فَقَالَ: وَيْحَكَ قَدْ خَطَرَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ فَانْظُرْ لِي رَجُلا أسأله فقلت: هاهنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فَأَتَيْنَاهُ فَقَرَعْتُ الْبَابَ فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَخَرَجَ مُسْرِعًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لأَتَيْتُكَ فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ - رَحِمَكَ اللَّهُ - فَحَدَّثَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: اقْضِ دَيْنَهُ.
فَلَمَّا خَرَجْنَا قَالَ: مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا انْظُرْ لِي رَجُلا أَسْأَلُهُ فَقُلْتُ: هاهنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فَأَتَيْنَاهُ فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَخَرَجَ مُسْرِعًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لأَتَيْتُكَ قَالَ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ - رَحِمَكَ اللَّهُ -
[ ١٠٢ ]
فَحَادَثَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: يَا عَبَّاسِيُّ! اقْضِ دَيْنَهُ.
ثُمَّ انْصَرَفْنَا فَقَالَ لِي: مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا انْظُرْ لِي رَجُلا أسأله قلت: هاهنا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فَأَتَيْنَاهُ وَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَتْلُو آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ يُرَدِّدُهَا قَالَ: اقْرَعِ الْبَابَ فَقَرَعْتُهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا قُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: مَا لِي وَلأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا عَلَيْكَ طَاعَتُهُ؟ فَنَزَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى الْغُرْفَةِ فَأَطْفَأَ السِّرَاجَ ثُمَّ الْتَجَأَ إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْبَيْتِ.
فَدَخَلْنَا فَجَعَلْنَا نَجُولُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا فَسَبَقَتْ كَفُّ هَارُونَ قَبْلِي إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا لَهَا مِنْ كَفٍّ مَا أَنْعَمَهَا وَأَلْيَنَهَا إِنْ نَجَتْ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيُكَلِّمَنَّهُ اللَّيْلَةَ بِكَلامٍ نَقِيٍّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ - رَحِمَكَ اللَّهُ -.
فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلافَةَ دَعَا سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ ورجاء بن حيوة فقال له: م قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْبَلاءِ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ فَعَدَّ الْخِلافَةَ بَلاءً وَعَدَدْتَهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ نِعْمَةً؟!.
فَقَالَ لَهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَصُمْ عَنِ الدُّنْيَا وَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ مِنْهَا الْمَوْتَ.
وَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَلْيَكُنْ كَبِيرُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَكَ أَبًا وَأَوْسَطُهُمْ عِنْدَكَ أَخًا وَأَصْغَرُهُمْ عِنْدَكَ وَلَدًا فَوَقِّرْ أَبَاكَ وَأَكْرِمْ أَخَاكَ وَتَحَنَّنْ عَلَى وَلَدِكَ.
وَقَالَ لَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ ثُمَّ مُتْ إِذَا شِئْتَ وَإِنِّي لأَقُولُ لَكَ هَذَا وَإِنِّي لأَخَافُ عَلَيْكَ أَشَدَّ الْخَوْفِ فِي يَوْمٍ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ! فَهَلْ مَعَكَ - رَحِمَكَ اللَّهُ - مِثْلَ هَؤُلاءِ مَنْ يُشِيرُ عَلَيْكَ أَوْ يَأْمُرُكَ بِمِثْلِ هَذَا؟.
فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ.
فَقُلْتُ: لَهُ ارْفِقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قال: يا ابن أُمِّ الرَّبِيعِ تَقْتُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ وَأَرْفِقُ بِهِ أَنَا؟.
ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: زِدْنيِ رَحِمَكَ اللَّهُ.
فَقَالَ: بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ عَامِلا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَكَى إِلَيْهِ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: يَا أَخِي اذْكُرْ طُولَ سَهَرِ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مَعَ خُلُودِ
[ ١٠٣ ]
الأَبَدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَطْرُدُ بِكَ إِلَى بَابِ الرَّبِّ نَائِمًا وَيَقْظَانَ وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْصَرِفَ بِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَيَكُونُ آخِرُ الْعَهْدِ وَمُنْقَطَعُ الرَّجَاءِ.
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَى الْبِلادَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: خَلَعْتَ قَلْبِي بِكِتَابِكَ لا وَلَيْتُ لَكَ وِلايَةً حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ.
فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لَهُ: زِدْنِي - رَحِمَكَ اللَّهُ -.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ الْمُصْطَفَى ﷺ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: أَمِّرْنِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ النَّبِيِّ نَفْسٌ تُنَجِّيهَا خَيْرٌ مِنْ إِمَارَةٍ لا تُحْصِيهَا إِنَّ الإِمَارَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تتأمرن على أحد فافعل". [البخاري ٤١٤٨، مسلم ١٨٢٦]
قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لَهُ: زِدْنِي - رَحِمَكَ اللَّهُ -.
قَالَ: يَا حَسَنَ الْوَجْهِ أَنْتَ الَّذِي يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْخَلْقِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقِيَ هَذَا الْوَجْهَ مِنَ النَّارِ فَافْعَلْ وَإِيَّاكَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِي وَفِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِرَعِيَّتِكَ فَإِنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَصْبَحَ لَهُمْ غَاشًّا لم يرح رائحة الجنة". [البخاري ٧١٥١، مسلم ١٤٢، أحمد ٥/٢٥] .
فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ دَيْنٌ لِرَبِّي لَمْ يُحَاسِبْنِي عَلَيْهِ فَالْوَيْلُ لِي إِنْ سَاءَلَنِي وَالْوَيْلُ لِي إِنْ نَاقَشَنِي وَالْوَيْلُ لِي إِنْ لَمْ أُلْهَمْ حُجَّتِي.
قَالَ: فَقَالَ: إِنَّمَا أَعْنِي مِنْ دَيْنِ الْعِبَادِ.
قَالَ: إِنَّ رَبِّي لَمْ يَأْمُرْنِي بِهَذَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُصَدِّقَ وَعْدَهُ وَأُطِيعَ أَمْرَهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ الذاريات: ٥٦ – ٥٨] .
فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ خُذْهَا فَأَنْفِقْهَا وَتَقَوَّ بِهَا عَلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! أَنَا أَدُلُّكَ عَلَى النَّجَاةِ وَأَنْتَ تُكَافِينِي بِمِثْلِ هَذَا؟ - سَلَّمَكَ اللَّهُ وَوَفَّقَكَ - ثُمَّ صَمَتَ فَلَمْ يُكَلِّمْنَا.
فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَلَمَّا أَنْ صِرْنَا عَلَى الْبَابِ قَالَ لِي هَارُونُ: يَا عَبَّاسِيُّ! إِذَا دَلَلْتَنِي عَلَى رَجُلٍ فَدُلَّنِي عَلَى مِثْلَ هَذَا هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ.
قَالَ غَيْرُ أَبِي عُمَرَ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: يَا هَذَا قَدْ تَرَى سُوءَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ فَلَوْ قَبِلْتَ هَذَا الْمَالَ تَفَرَّجْنَا بِهِ؟! قَالَ: مِثْلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانَ لَهُمْ بَعِيرٌ يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِهِ فَلَمَّا كَبِرَ نَحَرُوهُ وَأَكَلُوا لَحْمَهُ.
[ ١٠٤ ]
فَلَمَّا سَمِعَ هَارُونَ الْكَلامَ قَالَ: نَرْجِعُ فَعَسَى أَنْ يَقْبَلَ الْمَالَ قَالَ: فَدَخَلَ فَلَمَّا عَلِمَ فُضَيْلٌ خَرَجَ فَجَلَسَ عَلَى تُرَابٍ فِي السَّطْحِ عَلَى بَابِ الْغُرْفَةِ وَجَاءَ هَارُونُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَلَمْ يُجِبْهُ.
فَبَيْنَا نَحْنَ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا هَذَا! قَدْ آذَيْتَ الشَّيْخَ مُنْذُ اللَّيْلَةَ فَانْصَرِفْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - قَالَ: فَانْصَرَفْنَا.
[ ١٠٥ ]